2021/06/17 11:16
  • عدد القراءات 961
  • القسم : آراء

الخريف العراقي

بغداد/المسلة:

محمد زكي ابراهيـم 

قبل عشرة أعوام فوجئ العالم بالثورات الشعبية العارمة في دول عربية عديدة، مثل تونس ومصر وليبيا وسوريا واليمن، وهي تطالب بالتغيير. وقد قيض لبعضها أن ينجح في قلب أنظمة الحكم، في ما أخفق البعض الآخر. لكنها جميعاً حملت اسم الربيع، مع أنها انطلقت في الشتاء، ربما لأن الأول يوحي دائماً بالخضرة والتجدد والأمل والحيوية.  

لقد هلل العرب جميعاً لهذه الاحتجاجات الرومانسية. وكثيراً ما جرى التنويه بالأغاني التي رددتها الجموع، والهتافات التي صدحت بها الحناجر، والشعارات التي رفعتها الأكف. وأججت لهيبها مواقع التواصل الاجتماعي، مثلما كانت المقاهي والنوادي والجامعات تفعل من قبل. لقد تغيرت أدوات الثورة ووسائل التبليغ ومنصات الدعوة. وبات الشبان الصغار يصنعون الحدث، ويحرضون على الخروج إلى الشارع، عبر هذه المواقع. 

في العادة يعقد الناس آمالهم على الشباب، ويرون أنهم وحدهم القادرون على قلب أنظمة الحكم، وإيجاد البديل العصري. ويراهنون عليهم في زوال الاستبداد وحكم الأسر، والفوز بالديمقراطية، والرفاهية والعدالة، والمساواة، وغير ذلك من الأمور. 

والحقيقة أن الربيع العربي، برغم ما أشاعه من تفاؤل في أوساط العامة، لم ينتج شيئاً. فقد انتهت جميع حركاته إلى بوار. ولم تحقق أي هدف من الأهداف. بل أنها أسهمت في تدمير عدد من البلدان، وتحويل الحياة فيها إلى جحيم ملتهب، مثلما حدث في سوريا واليمن وليبيا. 
ولم يفكر الناس في غمرة ابتهاجهم بهذا الحدث، أن الشباب الذي ملأ الساحات لم يكن يعرف ما يريد، وأن هناك أيد تحركه في الداخل والخارج. ولم يخطر على بالهم أن ثمة قوى تستغل السخط الشعبي، وتردي الأحوال المعاشية، والارتباك السياسي، لتمرير مآرب وغايات لا تمت إلى الثورة بصلة! 

كان شعار الديمقراطية ،الذي يجد له دائماً آذاناً صاغية وقلوباً مفتوحة، يتصدر المواقع. فبات، بسبب جاذبيته، الوسيلة المثلى لدى كل مهووس بالسلطة.  بعد أن اقتنع الجميع أنه الحل السحري لما يعانيه العرب من مشكلات. وفي ذات الوقت، كان الربيع العربي موضع اهتمام الدول الغربية، ذات المصلحة في زعزعة استقرار المنطقة، وخاصة الولايات المتحدة، لأن الأمر برمته يخدم جهة واحدة هي إسرائيل. 

وكان هؤلاء الشبان – بحكم حداثة السن – لا يدركون أن نقل التجارب الغربية كما هي، لا يمكن أن يحقق لهم ما يريدون. وأن التغيير ليس محض رغبة طارئة، بل نتاج عمل متواصل دؤوب. وهذا ما اكتشفوه في وقت متأخر. فلم تنته البطالة، ولم تنطلق التنمية، ولم ينحسر الاستبداد. بل أن الوحدة الوطنية التي كانت سمة إيجابية في هذه البلدان، تعرضت للاهتزاز في بعضها إلى درجة الانقسام والتفكك والضعف. وفقدت كل ما كان لديها من رصيد مالي، وعسكري، ومجتمعي. عدا عما خسرته من أرواح وممتلكات! 

لقد حدث الشئ ذاته في العراق في خريف عام 2019. إذ اندلعت التظاهرات ضد الفساد والأحزاب الإسلامية. لكن أحداً لم يطلق وصف الربيع العراقي عليها. ربما لأن التسمية لم تعد تجذب أحداً من العالمين، بعد التجربة التي عرفتها البلدان العربية. ومثلما تدخلت جهات كثيرة في حركات الربيع العربي سيئة الصيت تلك، فإن تدخلاً أقوى وأشد وأوضح، جرى في العراق. بل أن الاحتجاجات العراقية انحصرت في مدن معينة، وطيف واحد، في بلد منقسم طائفياً وعرقياً. وإذا كانت العربية منها قد أطاحت بأنظمة كاملة، وزجت بوجوهها في السجون أو أبعدتهم إلى المنافي، أو أجهزت على بعضها إلى حد الموت. فإن العراقية أطاحت بممثلي جهة واحدة، وأعطت صك البراءة للباقين. 

من يعتقد أن الفكر الغربي الذي أنتج بلداناً متقدمة مستقرة في أوربا والقارات الأخرى يمكن أن يجلب ذات النتائج إلى البلدان المشرقية، يرتكب خطأ فاحشاً. بل أنه يكرر الإخفاقات ولا يتعلم من الدروس. فالفشل الذي أصاب النظام السياسي في العراق، إنما حدث لأنه استنسخ تجارب غربية بحتة لا تلائم البلد، ولا تعبر عن همومه، ولا تأخذ بنظر الاعتبار ما فيه من مشارب وأفكار واتجاهات. 

يبدو أن الحركة التي ستجعل العرب، ومنهم العراق، في مصاف الدول المتقدمة، لم تولد بعد. وقد لا يتسنى لها الظهور ما لم تراع الظروف والاعتبارات المحلية. فليس من الصحيح الاعتقاد أن الغرب يملك مفاتيح كل شئ. وأن هذه البلدان لا بد  أن تتبع خطى الدول المتقدمة في نصف الكرة الآخر كي تنعم بالثروة والهدوء والاستقرار. فالتقدم الحقيقي يجب أن ينبع من هذه الأرض. والأفكار التي تجعل التغيير أمراً واقعاً، هي الخارجة من هذه البيئة. وماعدا ذلك محض سراب!

بريد المسلة

المسلة غير مسؤولة عن المحتوى (نصا ومعنى) والذي يتضمن اسم الكاتب والمصدر

 

متابعة المسلة - وكالات

المسلة

 

تابع الجديد والمفيد في المسلة اكسبريس عبر موبايلك اضغط هنا

تابع الجديد والمفيد في قناة المسلة تليغرام.. عبر الموبايل اضغط هنا

تابع الجديد والمفيد في صفحة المسلة على فيسبوك اضغط هنا

 

 


شارك الخبر

  • 0  
  • 3  

اضف تعليقك

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار المسلة علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.

  •  
       
  •