2021/07/24 10:18
  • عدد القراءات 818
  • القسم : آراء

مدن التاريخ

بغداد/المسلة:

محمد زكي ابراهيـم 

دفعني الفضول ذات مرة إلى سؤال الصديق العزيز الدكتور جودت القزويني عن سبب انتقاله من لندن عاصمة الضباب، إلى بيروت عاصمة العرب، وكان ذلك في أولى سنوات القرن الجديد، فأجاب أن التاريخ توقف في الأولى، ولم يعد ثمة ما يلفت الانتباه إليه فيها، بعكس بيروت، التي يطفو على السطح فيها كل يوم ما يثير المخيلة والعقل. 

لكن ما حدث أن القزويني، المؤرخ المحترف، وجد نفسه مشرداً بعد أن قام العدو الإسرائيلي بتدمير المبنى الذي يسكن فيه في الضاحية الجنوبية، وبداخله الكثير من المخطوطات التي اشتغل عليها سنوات طويلة عام 2006. وكان قد غادره هو وأسرته إلى العاصمة التي هجرها التاريخ لندن، في إجازة قصيرة، لكنها لم تنته حتى وفاته بالوباء اللعين العام الماضي (2020). 

تبدو المجتمعات الغربية خالية من الحوادث الجسام، التي تعاني منها مثيلاتها الشرقية. ولم يأت هذا من فراغ، بل لأنها شهدت ثورات علمية وصناعية كبرى، كالبخار والطيران والكهرباء والاتصالات انتقلت بها من حال إلى حال. وحينما تعددت هذه الثورات، وتجذرت في الأرض، أدت إلى نتائج باهرة، أهمها على الإطلاق الاستقرار، الذي ينعم به المجتمع الغربي الآن. 
لقد أسدل الستار على آخر الحوادث الكبرى في أوربا، غداة انتهاء الحرب العالمية الثانية، وانطواء صفحاتها عام 1945، وما تبع ذلك من جنوح إلى السلم وميل نحو الوفاق. حتى أن الحرب الباردة التي أعقبتها لم تجر على أراضيها أبداً، بل دارت رحاها في مناطق متفرقة من العالم الثالث، حيث التاريخ مازال على أشده. أي أن عدم الاستقرار الذي شهدته البلاد العربية وماتزال تشهده حتى الآن هو ناتج عرضي للاستقرار المثالي الموجود في الغرب. 
وهكذا فإن المؤرخ المفتون بملاحقة الثورات والحروب والانقلابات الفكرية والسياسية، مثل الدكتور القزويني رحمه الله، لم يكن قادراً على العمل في مجتمع، يخفي صراعاته عن العيون، وينأى بها عن الأضواء. ويشعر أن عليه نقل المعركة إلى ساحة أخرى. وكانت بيروت التي تمثل نقطة الالتقاء بين الاتجاهات الشرقية والغربية، التقليدية والحداثوية، هي محط أنظار النخبة من المعنيين بالتاريخ. ولم يتسن للقزويني العودة للعراق الذي لم تتوقف مفاجآته، وكان قد شد الرحال إليه بعد شهور قليلة من استخلاصه من قبضة (الاستبداد الشرقي) عام 2003، لكنه عاد بعد وقت قصير وقد تملكه اليأس. فلما سقط أخوه مضرجاً بدمائه في الكرادة دونما سبب معقول، صرف النظر عن العودة بشكل نهائي. 
وعلى الأغلب فإن ملايين الشبان العرب الذين خرجوا في احتجاجات عارمة سواء عام 2011 أو ما أعقبه من أعوام، لم يعلموا أنهم يسهمون بإذكاء الفوضى وعدم الاستقرار، وبالتالي عودة التاريخ إلى بلدانهم التي مالت إلى النسيان، وحرمانها من ثورات حقيقية تضعها على حافة التقدم. 

وما حدث لم يكن خافياً على أحد. فقد انهار ما بناه الآباء في غمضة عين. وغدت دول مثل ليبيا وسوريا ولبنان والعراق واليمن، مرتعاً للدمار والخراب، والموت والفاقة. وحققت لنصف الكرة الغربي كل ما يتمناه من ثروة وقوة وأمان. 

لقد كنت أتمنى لو توقف التاريخ لدينا برهة من الزمن، ليتيح إعادة إنتاج بعض الثورات الحقيقية على أرضنا، ويسهم في بناء مجتمعات جديدة عصية على الاختراق. فنحن نخطئ حينما نظن أن بوسعنا أن ننجز شيئاً عبر التظاهرات أو الانتفاضات الغاضبة. رغم أن هذه الحوادث قادرة على ملء عشرات الكتب ومجلدات التاريخ، وإشغال الآلاف من الإعلاميين ومحللي السياسة، وإذكاء الحماس في نفوس الشبان الصغار، وأحياناً الكبار من محترفي اللعب على الحبال. 

إن التغيير يبدأ حينما نوقن أن خطوة واحدة في ميدان العلم والتقنية، كفيلة بتصحيح مفاهيم اقتصادية وسياسية كثيرة. وحينما ندرك أن ضربات معاول الفلاحين، وضجيج مكائنهم القديمة، أكثر فاعلية من أعظم الشعارات وأشدها ثورية. كما أن أيدي الصناع المهرة الملطخة بالزيت، أو الملوثة بالكربون، أجدى من أي حريق يطال مؤسسة حكومية، وأنفع من أي فوضى تشعل شارعاً تجارياً، وهكذا. 

بل إن الثورات الهائلة التي لا يعيرها التاريخ إلا القليل من الاهتمام هي التي لا تراق فيها نقطة دم واحدة، وإن كانت تسفح فيها أنهار العرق. ولا يهدم فيها مبنى واحد، وإن كانت تجري في الغرف المغلقة. وهذا هو بالضبط التاريخ الذي نريده لبلداننا، التي سئمت الموت والدمار والعزلة، ولم تعد تطيق العيش في الظلام.

بريد المسلة

المسلة غير مسؤولة عن المحتوى (نصا ومعنى) والذي يتضمن اسم الكاتب والمصدر

 

متابعة المسلة - وكالات

المسلة

 

تابع الجديد والمفيد في المسلة اكسبريس عبر موبايلك اضغط هنا

تابع الجديد والمفيد في قناة المسلة تليغرام.. عبر الموبايل اضغط هنا

تابع الجديد والمفيد في صفحة المسلة على فيسبوك اضغط هنا

 

 


شارك الخبر

  • 0  
  • 5  

اضف تعليقك

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار المسلة علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.

  •  
       
  •