2021/10/02 17:03
  • عدد القراءات 1914
  • القسم : آراء

التوطين في العراق

بغداد/المسلة:

محمد زكي ابراهيم

تواترت الأنباء في الأسابيع الماضية عن توطين لاجئين أفغان، مهددين بالملاحقة في ظل حكومة طالبان، بشكل مؤقت أو دائمي، في بعض أطراف العراق. وقيل أن عددهم يزيد عن مئة ألف إنسان.

وفي سنوات سابقة، جرى تداول أحاديث بشأن توطين لاجئين فلسطينيين في المنطقة الغربية من العراق كجزء من صفقة القرن. أما في أواخر عصر صدام حسين فقيل أن النية ذهبت إلى توطين 350 ألف فلسطيني، بعد الانتفاضة الشعبانية التي زلزلت عرشه عام 1991.

وأنا على يقين تام أن شيئاً من هذا لن يحدث لأسباب كثيرة، أهمها على الإطلاق الاضطراب الأمني، الذي يمنع هؤلاء من المجئ للعراق، والتعرض لمحنة جديدة. وهم تواقون لوضع أمني سليم يعوضهم عن سنوات الحرمان الطويلة.

لكن الواقع أن قدوم هؤلاء للعراق، واستيطانهم فيه، ليسا أمرين سيئين. بل قد يكونان في صالح المجتمع والناس في هذا الجزء من العالم. وربما يستبطنان الحل للعديد من الظواهر السلبية فيه. هذه الظواهر التي ماتزال حتى هذه اللحظة تعيق حركة التنمية فيه. وتجعلانه على الدوام بؤرة للعنف والحرب والعشائرية والتخلف.

وقد وجدت أن الكثيرين – وفيهم نواب ورجال أحزاب – قد أنكروا على الدولة أن تحتضن مثل هؤلاء اللاجئين، أو أن تقدم لهم المأوى. متناسين أن كل سكان العراق هم في الأصل مهاجرون من بلاد مجاورة منذ آلاف السنين. وأن أجدادهم ربما دخلوا العراق قبل قرنين من الزمان. فقد كان البلد الذي يعرف الآن باسم العراق مغموراً بالمياه حتى نهاية الألف الرابع قبل الميلاد. ولم تتوقف هجرة القبائل العربية من الجزيرة وبادية الشام إليه حتى وقت قريب. وكذلك فإن ملايين من سكان العراق المعاصر قد هاجروا إلى بلدان أخرى في شمال العالم، في ظروف القهر والفقر والتخلف. فالهجرة هي حركة إنسانية طبيعية رافقت الوجود البشري منذ العصور الجليدية التي انتهت قبل مئة ألف عام وحتى اليوم.

إن من إيجابيات أي هجرة محتملة ضخ دماء جديدة للبلد المضيف. وهذا في حد ذاته عامل حيوي من عوامل التغيير. وقد سعت دول أوربا الغربية منذ عقود إلى خوض هذه التجربة، رغم أنها تعيش في وضع اقتصادي وأمني واجتماعي جيد.

ولأن العراقي يعاني من مشكلة القوميات، التي تتلخص في وجود أقلية كبيرة هي الكرد، خاضت معارك وحروباً من أجل الانفصال، فإن الاستعانة بمستوطنين جدد في البلاد، وخصوصاً في مناطق التماس سيحد كثيراً من هذه الطموحات، أو يقلل من نبرتها على الأقل. وإذا ما تمكنت الحكومة من الزج بهؤلاء في مناطق داخل المحافظات الثلاث، ولو على شكل دفعات أو مراحل، وأنشأت لهم مدناً أو أحياء جديدة خاصة بهم، فإنها ستكون قد قطعت شوطاً بعيداً في وأد حلم الانفصال.

وبالطبع فإن استيطان مليون فلسطيني مثلاً في مناطق مختلفة، لن يكون كافياً لتغيير التوازن الطائفي في البلاد. في حين أنه سيسمح بمزيد من التقارب بين الشعبين، العراقي والفلسطيني، على غرار ما هو موجود في بلدان عربية أخرى. ففي لبنان مثلاً نشأت معظم مخيمات اللاجئين في أحياء شيعية. ولم تكن هناك أية مشاكل جدية تقريباً. رغم أن الحرب الأهلية (1974 – 1990) كانت تهدف في الأصل إلى طرد الفلسطينيين من لبنان. وقادت ذلك طوائف غير إسلامية، إلا أنها اصطدمت بالدفاع الشرس من جانب المسلمين.

وفي ما مضى كان الفلسطينيون أنفسهم يرفضون فكرة التوطين، لأن معنى ذلك التخلي جزئياً عن حق العودة. وتشجيع دعاة التطبيع على المضي قدماً في حماية إسرائيل. وقد حرمت هذه النظرية مئات الألوف من الفلسطينيين المولودين في الشتات أو الذين نزح آباؤهم إلى البلاد العربية بعد عام 1948 من الحصول على جنسية البلد المضيف. إلا أن المفارقة أن الفلسطينيين الذين هاجروا غرباً حصلوا على جنسيات أوربية وأميركية، بعد سنوات قليلة من الاستقرار فيها.

يبدو الأمر الآن مختلفاً بعض الشئ. فقد تضاعفت أعداد الفلسطينيين بشكل يسمح لجزء كبير منهم بالاستيطان المؤقت أو النهائي في بعض البلدان. ولا يضعف هذا من مطالبة رفاقهم بالعودة. ولو كانوا يمتلكون هذا العدد قبل النكبة لما كان بإمكان إسرائيل أن تستولي على أراضيهم وتأتي بمهاجرين يهود بدلاً عنهم.

يبقى أن توطين الأفغان بأعداد يسيرة مثلما تروج له الأخبار، لا يحمل أضراراً كبيرة لسوق العمل في العراق، وليس له تبعات كثيرة عليه. لأن الآسيويين المقيمين في العراق الآن، يفوق عددهم هؤلاء بمراحل. وبانضمام الأفغان إليهم لن يحدث فرق يذكر. فالاقتصاد العراقي قابل للانتعاش متى قيضت له إدارة حازمة تنتشله من الركود الذي وقع فيه، منذ عام 2014 وحتى الآن.

 بريد المسلة

المسلة غير مسؤولة عن المحتوى (نصا ومعنى)، الذي يتضمن اسم الكاتب والمصدر

 

 

تابع الجديد والمفيد في المسلة اكسبريس عبر موبايلك اضغط هنا

تابع الجديد والمفيد في قناة المسلة تليغرام.. عبر الموبايل اضغط هنا

تابع الجديد والمفيد في صفحة المسلة على فيسبوك اضغط هنا

 

 


شارك الخبر

  • 1  
  • 11  

( 1)التعليقات

    • ارسال رد
    • أبلغ عن اساءة
    • 0  
    •   0
  • (1) - المهندس اياد
    10/10/2021 5:37:17 AM

    ولماذا لا يوطنون في ايران مثلا ...وهم بطباعهم ومناخهم متشابهون كما أن ارض ايران الأصلح لهم لقربهم منها ...ام انك تريد شيئا اخر ؟



اضف تعليقك

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار المسلة علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.

  •  
       
  •