2021/10/10 12:12
  • عدد القراءات 621
  • القسم : آراء

البعد الرابع

بغداد/المسلة:

محمد زكي ابراهيم

ليس من السهل تجاهل عامل الزمن ، أو الاستهانة به، أو التفريط به، في أي مجال من المجالات، أو أي علم من العلوم. فهو قيمة إنتاجية كبرى، وعنصر ثمين من عناصر التقدم،  وأداة أساسية من أدوات البناء. وهو في حسابات علماء الاجتماع والسياسة والتاريخ، أحد أهم لبنات الحضارة. وفي حسابات علماء الطبيعة البعد الرابع الذي تتحرك به جميع الكائنات والموجودات. 

وفي الموازين الدولية فإن البلدان التي أعطت للزمن أهمية استثنائية، هي التي أصبحت في صدارة العالم. أما التي استهانت به، فهي في مؤخرة الصفوف. فلا يكفي أن تكون هناك موارد بشرية ومعادن وأنهار وأراض، كي تمتلك أسباب القوة. بل لا بد من استغلال الوقت، والحرص عليه، كي تتحول هذه الثروات إلى أدوات فاعلة ونافعة. 

وغني عن البيان أننا – في هذا الجزء من العالم – أهدرنا الكثير من الوقت، وبات علينا الآن أن نلتفت لهذا الجانب الثمين من حياتنا، قبل أن نجد أنفسنا خارج المعادلة التاريخية. 

لقد أتى على العراقيين حين من الدهر انشغلوا فيه بالحرب والدمار والموت والجوع والحصار. وكان جل ما يحلمون به هو استعادة هنائهم الروحي. بل إنهم طالما تمنوا انقضاء السنين، وتوالي الشهور، وانفراط الزمن. ولم يعنهم ما كان يدور في المختبرات ، أو المؤتمرات، أو المصانع ، أو الجامعات. فالبقاء على قيد الحياة كان هو الهدف الأكبر لهم في هذه الحياة.  

وقد تبين لهم في ما بعد، حينما أسدل الستار على تلك الحقبة، أن العالم مر بثورات علمية هائلة. وأنتج من صنوف المعرفة في العقدين الأخيرين من القرن العشرين، ما يفوق كل ما أنتجته البشرية عبر تاريخها الطويل.  وقد تكبد  العراق خسارة فادحة، ليس في الدماء التي نزفها دون مبرر، بل بالزمن الذي كان أبناؤه فيه ذاهلين عن أي تغيير ممكن. 

وقد يبدو الأمر مبالغاً فيه، لكن الحقيقة أن شعوب العالم كانت تعمل بصمت ودأب وعزيمة، طوال تلك السنين. وكان ذروة ما أنجزته في تلك الحقبة الحاسب الآلي الذي ظهر في أواخر أربعينات القرن الماضي، وكان جهازاً ضخماً يحتل بناية كاملة، ويشتغل عليه عشرات الموظفين. ثم تضاءل حتى بات في حجم قبضة اليد. وأخذت قدراته تتضاعف بشكل مذهل، وغدا جزءً لا يمكن الاستغناء عنه في عملية الإنتاج. بل أنه اختصر الزمن مئات أو آلاف المرات. وهذا في حد ذاته تطور مذهل. فعصر السرعة الذي كان وراء الثورة العلمية الكبرى في القرن العشرين، بات متواضعاً بالمقارنة مع ما حققته أجهزة الحاسب الآلي هذا من ثورات. ولم تكن شبكة المعلومات معروفة حينما غرقت البلاد في مشكلات وجودية، لكنها نمت وترعرعت في ذات الوقت الذي كان السواد الأعظم من العراقيين منشغلين فيه برغيف الخبز الأسمر.  ولم يكن من الممكن إنجاز ثورة المعلومات دون أن يظهر هذا الاختراع العجيب. 

وقد فوجئ الناس حينما وضعت الحرب أوزارها، بالهاتف النقال، الذي تحول إلى رفيق دائم للإنسان. وبدأت قنوات البث الفضائي بالاشتغال. وحل نظام البرمجة في المكائن والآلات والاتصالات محل الجهد اليدوي. أما الإنجازات الطبية والأحيائية مثل الاستنساخ، فقد كانت إحدى المفاجآت التي صدم بها العراقيون في نهاية القرن. ولم ينسوا وهم يلعقون جراح الحروب السابقة، ويغرقون في عتمة الحصار الطويل، أن ذلك كان مقدمة لاستنساخ كائنات بشرية، ربما ستقلب المفاهيم الاجتماعية والقانونية رأساً على عقب.

لماذا شغل العراقيون أنفسهم في البحث عن أمجاد زائفة، فقدوا فيها أعز ما يملكون، وغفلوا عما يدور حولهم من متغيرات؟ هل كانوا يجهلون معنى القوة الحقيقية التي يحوزها بلد من البلدان، ويحصل بواسطتها على قصب السبق؟ إنني أشك أن أحداً من ذوي النفوذ في ذلك الحين كان يعي خطر العلم، ويعرف ما يمثله من ثورة، ويدرك أن كل ماعداه  محض سراب.  لكن المحصلة التي خرجوا بها من إهدارهم لسنوات طويلة من أعمارهم، أنهم باتوا خارج العصر. وقد لا يعودون إليه بسهولة. 

يبدو المشهد اليوم تتمة لما سبق، حتى لو تغيرت نظريات الحكم. ومن الصعب التكهن بما ستؤول إليه الأمور في نهاية الربع الأول من هذا القرن. لكن من المؤكد أن ما أنجز خلال هذه المدة في البلاد لم يكن مقنعاً تماماً. فالعالم يتقدم بسرعة هائلة لا يستطيع المتعثرون مجاراتها فضلاً عن أولئك الذين توقفوا في منتصف الطريق. وإذا ما أدرك الناس أن الوقت لم يعد في صالحهم، فإن من المؤلم  أن يتمادوا في صراعات عقيمة لن يجنوا منها سوى الخراب.

بريد المسلة

المسلة غير مسؤولة عن المحتوى (نصا ومعنى)، الذي يتضمن اسم الكاتب والمصدر

 

 

 

تابع الجديد والمفيد في المسلة اكسبريس عبر موبايلك اضغط هنا

تابع الجديد والمفيد في قناة المسلة تليغرام.. عبر الموبايل اضغط هنا

تابع الجديد والمفيد في صفحة المسلة على فيسبوك اضغط هنا

 

 


شارك الخبر

  • 0  
  • 4  

اضف تعليقك

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار المسلة علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.

  •  
       
  •