2021/10/16 20:13
  • عدد القراءات 567
  • القسم : آراء

ما لنا وما علينا

بغداد/المسلة:

محمد زكي ابراهيم

ربما يكمن السبب في أننا عجزنا عن تدارك ما وقعنا فيه من انحراف سيقودنا لا محالة نحو الخراب، وما انزلقنا إليه من خطر سيمضي بنا دون شك إلى الهاوية، في أننا مازلنا نعيش على مخزوناتنا من النفط الخام، التي تكونت في باطن الأرض منذ عشرات الملايين من السنين.

ولم نعد نفكر في العمل والإنتاج والتنمية، أو نبحث عن مصادر أخرى للدخل على سطح الأرض، مثلما يفعل الآخرون في بقاع العالم الأخرى.

وقد شعرنا أن مهمة السلطة التنفيذية تتلخص في استخراج هذا النفط وبيعه في الأسواق لا غير، وتجاهلنا حقيقة أنه سينضب في يوم ما، وآمنا أن لنا حقاً يجب أن نناله اليوم، سواء كان على شكل نقد، أو خدمات بلدية، أو مساكن، أو تعليم، أو غير ذلك، أما الغد، فتركنا مهمته للأجيال القادمة، تتصرف به كما تشاء. وحسب ما تمليه عليها الظروف.

وبسبب ذلك أصبحت الدولة تتولى الإنفاق علينا، وتتعهدنا بالرعاية، وإذا ما اضطربت الأمور، أو دخلت البلاد في صراع سياسي، فإن هذه الرعاية ستتأثر، وقد تتضاءل أو تنقطع، مثلما حدث في عقد التسعينات من القرن الماضي.

إن هذه النظرية مخالفة تماماً للفكرة الرأسمالية، التي يعطي فيها الناس المال للحكومة مقابل أن  تقوم هي بتنفيذ برامج خدمية، وتمنحهم دوراً في رسم السياسة العامة.

فالمواطنون يتنازلون عن جزء من وارداتهم، أو حقوقهم، لتتمكن الدولة من القيام بواجباتها. ويؤدون ما بذمتهم حتى يحصلوا على خدمات، أي أنهم هم  مصدر التمويل وليس السلطة وبسبب ذلك باتوا أقوى منها. وحينما يقررون لسبب من الأسباب سحب الثقة عنها تسقط على الفور.

والواقع أن الفرد لدينا لا يكترث لهذه الحقائق، ولا يعيرها اهتماماً. فالأولويات لديه هي الحصول على أكبر قدر من الحقوق، أما الواجبات فليس لديه استعداد للاضطلاع بها. بل إنه في الغالب لا يؤدي منها إلا النزر اليسير. 

ولو شاء هذا الفرد أن يكون صاحب الكلمة في ما يجب أن يكون، فإن هناك سبيلاً واحدة توصله إلى هذه المرتبة، وهي أن يقوم بتقديم بعض المال، حتى لو كان قليلاً إلى الدولة، هذا المال قد يكون على شكل ضرائب، أو إنتاج، أو صادرات، أو واجبات يومية، فالمبدأ الحقيقي الذي تسير عليه المجتمعات الإنسانية هو الواجبات ثم الحقوق، إن هذه المعادلة هي التي جعلت الجهاز التنفيذي يجور على المجتمع.

وأدت إلى نشوء ظواهر مرضية مثل الاستبداد، والفساد، وحكم العوائل، والاستئثار بالموارد. وفي البلدان التي جربت موضوعة الديمقراطية والحكم التمثيلي، برزت إلى الوجود طبقات ثرية جديدة، مستغلة قربها من السلطة، أو تكونت من رجال أعمال منتفعين بها. في ذات الوقت الذي تراجعت فيه قدرات الطبقة الوسطى، والفئات الفقيرة من المجتمع.

ومعنى ذلك بالطبع، أن المؤسسات الديمقراطية في الدولة ستكون محض تشكيلات صورية، لا تقدم ولا تؤخر، ولا تستطيع تغيير حال المجتمع أو تحسين ظروف الرعية حتى لو كانت تقوم على أصوات الناخبين، وتتطور بناءً على إرادتهم. لأن وجود هذه المؤسسات قائم على مبدأ إطلاق الحريات العامة. لكن الواقع أن هذه الحرية سرعان ما تحولت في مجتمعات كهذه إلى فوضى، لأن ضعف الصلة بين الحاكم والمحكوم، الناتجة من استغلال الموارد المالية القادمة من الخارج، يحفز الأجهزة الحكومية على التراخي في فرض القوانين. مثلما يدفع بالسكان إلى الإحجام عن تنفيذ التزاماتهم، والنتيجة المتوقعة من وراء ذلك هي عجز السلطة عن الإيفاء ببرامجها المعتادة. فالحرية حق دستوري مشروط بالتقيد التام بالقوانين المدنية والاجتماعية.

 ومن أبرز قواعد السلوك المديني إدراك الفرد أن الحرية لا تعني تقديم الحقوق على الواجبات، لأن الأولى لا تتطلب بذل طاقة ما. والأجر يعطى دائماً لقاء العمل، وليس العكس.

ومن أهم واجبات المرء هي المساهمة في خلق بيئة صالحة للعيش، عبر إسهامات جسدية ومالية وفكرية للدولة.

فلا ينال المرء حقوقه كاملة في البلدان المتقدمة إلا  بعد أن ينجز ما يوكل إليه من مهمات، وهذا هو سر حرص الفرد فيها على المؤسسات الدستورية. ومالم يحدث الشئ ذاته في منطقتنا فلن تنعم بالهدوء، والراحة.

ولن تتقدم خطوة نحو الأمام وستظل على الدوام مصدراً للمشاكل والآلام والتخلف.

بريد المسلة
المسلة غير مسؤولة عن المحتوى (نصا ومعنى)، الذي يتضمن اسم الكاتب والمصدر​

 

تابع الجديد والمفيد في المسلة اكسبريس عبر موبايلك اضغط هنا

تابع الجديد والمفيد في قناة المسلة تليغرام.. عبر الموبايل اضغط هنا

تابع الجديد والمفيد في صفحة المسلة على فيسبوك اضغط هنا

 

 


شارك الخبر

  • 0  
  • 1  

اضف تعليقك

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار المسلة علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.

  •  
       
  •