2021/10/24 20:00
  • عدد القراءات 622
  • القسم : آراء

الحرب والسلام

بغداد/المسلة:

محمد زكي ابراهيم

ليس هناك في هذا العالم ما هو أجمل من السلام والتعاون والمحبة. ولا أروع من الهدوء والدعة والاستقرار. ولا يمكن أن تحظى المجتمعات بمناخ أفضل  للعيش، وبيئة أهنأ للبناء، إلا في أجواء من التفاهم والتقارب والثقة. فحينما يمارس الناس حياتهم دون أن يشعروا بالخطر، ويعودون إلى بيوتهم من غير أن يتعرضوا للأذى، يضعون أقدامهم على سكة التقدم، ويبدأون مسيرتهم نحو التغيير.

والناس مجبولون بالفطرة على الاحتماء ببعضهم البعض. والعيش مع بني جنسهم في المدن والقرى. ومثل هذه النزعة لا تدوم إلا إذا انتشرت قيم المحبة والعدل والتكافل في ما بينهم. وباتت أسساً قانونية تحفظ لهم حقوقهم، وتصون أموالهم وأنفسهم.

بيد أن الجماعات لا تمارس نفس هذا الدور على الدوام. وتعتقد أن السلوك الفردي شيء، والسلوك الجماعي شيء آخر. أي أن الأفراد الذين يحرصون على علاقات طيبة في ما بينهم، لا يمتلكون هذا الحس مع الجماعات الأخرى المنفصلة عنهم. وهذا هو السر في المنازعات، والخلافات، والحروب، منذ فجر الخليقة حتى يومنا هذا. كما أن هذا هو السبب الذي يجعل الزعماء والمفكرون والقادة يدعون ليل نهار إلى الوحدة الوطنية.

وقد حدث في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر أن أغارت إحدى القبائل القوية على جارة لها في جنوب نيوزيلندا، فاستقبلتها الأخيرة بنوع من الترحاب. ورغبت أن تتصالح معها على قدر من المال لتتفادى حدوث خسائر في الأرواح. لكن النتيجة أن القبيلة المسالمة أبيدت ثم "أكلت" على موائد الغزاة، الذين اتضح في ما بعد أنهم من أكلة لحوم البشر. وكان يمكن لها أن تنجو من هذا المصير لو لم تتحل بنزعة السلام، أو تفتقد القوة اللازمة للردع.

ولأن السلام ليس هو الخيار المفضل دائماً عند الجماعات، فقد كانت الدعوة إليه في بعض الأحيان سبباً في مآسي كثيرة. وقد حدث عام 1938 أن قام السير (جمبرلين) رئيس وزراء بريطانيا بزيارة إلى ألمانيا، لبحث آفاق السلام في القارة العجوز، التي كانت تعج بالتوتر. والتقى هناك بالزعيم الألماني (هتلر)، وتبادل معه الرغبة في أن يعم الأمان أنحاء أوربا والعالم. إلا أنه تبين في ما بعد أن الزيارة عجلت باندلاع الحرب العالمية الثانية. فقد فهم هتلر من الزيارة أنها دليل على الضعف، وانتفاء الإرادة في القتال. فسارع إلى تعبئة قواته لإلحاق الهزيمة بخصومه قبل فوات الأوان!

وهكذا فإن مد يد السلام لعدو لا يدرك معناه الحقيقي، ربما يكون مقدمة منطقية للحرب. وقد يفضي إلى عواقب وخيمة يمكن تفاديها لو بقي خيار المواجهة قائماً. وهذه مفارقة لا أظن أن الشعوب غافلة عنها. فإنفاق الأموال الطائلة على تجييش الجيوش، وتوريد السلاح، وسوق الشبان إلى معسكرات التدريب، دليل على الوعي بأهمية عامل القوة.
بل إن التهديد بالحرب، أو التلويح باستخدام السلاح، قد يأتي أحياناً بنتائج إيجابية. وهذا هو ما تحرص عليه دول العالم القوية، تحت مسمى "توازن الرعب"، وتقوم من أجله ببناء الترسانات النووية.

لقد خيل للعراقيين في لحظة ما عقب عام 2003 أنهم أحوج ما يكونون إلى توجيه طاقاتهم نحو البناء والإعمار، واختصار كل ما يمت إلى الأمن والدفاع بصلة. وقام أشخاص توهموا أنهم يمتلكون مقومات الزعامة ببث مثل هذه الدعاوى، وإيهام الناس أن تشييد الملاعب والنوادي وقاعات الترفيه، أنفع بكثير من إنفاق الأموال على التسليح والتدريب. فكان أن دفعوا ثمن ذلك غالياً، بعد أن فهم أعداؤهم نقطة الضعف، وشنوا عليهم الهجوم تلو الآخر. وأدرك العراقيون حينها أن السلام لن يتحقق إلا بالاستعداد للمواجهة.

في العادة يلقي الاقتصاديون تبعة التخلف في البلاد العربية على عاتق الإفراط في التسليح. ويقدمون أرقاماً مخيفة عنها. وبنظرهم فإن وقف شراء الأسلحة أو تقليل موازنات الدفاع سيكون علاجاً ناجعاً للمشكلات الاقتصادية الكثيرة التي تعاني منها. لكنهم ينسون أن قوة هذه البلدان تمنحها الاستقرار اللازم، وهو الشرط الأساس للتنمية. ولا يدركون أن بقاءها ضعيفة يجعلها عرضة للتدخلات الأجنبية. وقد يؤدي بها إلى التفكك والانهيار.

لا بد لدولة مثل العراق أن تتمتع بقدرات تسليحية كبيرة، لأنها بدون ذلك لن تكسب الاحترام الذي تستحقه بين أمم العالم، أو تستعيد دورها المهم في المنطقة. ولن يحسب الآخرون لها حساباً قبل أن يقدموا على زعزعة أمنها، أو العبث بثوابتها الأساسية.

بريد المسلة
المسلة غير مسؤولة عن المحتوى (نصا ومعنى)، الذي يتضمن اسم الكاتب والمصدر

 

تابع الجديد والمفيد في المسلة اكسبريس عبر موبايلك اضغط هنا

تابع الجديد والمفيد في قناة المسلة تليغرام.. عبر الموبايل اضغط هنا

تابع الجديد والمفيد في صفحة المسلة على فيسبوك اضغط هنا

 

 


شارك الخبر

  • 0  
  • 9  

اضف تعليقك

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار المسلة علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.

  •  
       
  •