2021/12/04 10:15
  • عدد القراءات 1062
  • القسم : المواطن الصحفي

ثلاثة ملايين سيّارة تتناطح في شوارع بغداد

بغداد/المسلة: كتب عماد عبد اللطيف سالم...

نحنُ بأمسّ الحاجة الآن إلى دراسة "اجتماعية – سايكولوجية" تعمل على تحليل وتفسير سلوك العراقيّين في رغبتهم "الجامحة" لحيازة سيّارة"صالون" لكل فرد من أفراد العائلة.

للأمّ سيّارة، وللأبّ سيّارة ، ولكل إبنٍ وبنتٍ سيّارة .. و للكنّاتِ أيضاً سيّارات.

فلو كانت لدينا أسرة تتألّف من خمسة أشخاص يسكنون في بيتٍ واحد، سيكونُ لدينا خمس سيّارات .. وإذا افترضنا أنّ هؤلاء جميعاً يعملون (ويدرسون) في مكان واحد، أو في أماكن متقاربة، فإنّ خمس سيّارات ستغادر البيت صباحاً، لتذهب إلى ذلك المكان، أو تلك الأمكنة، وليس سيّارة واحدة فقط ، تتسّع لخمسة أشخاص، وتستطيع إيصالهم إلى حيث يريدون بسهولة.

ولهذا "تتناطَحُ"(وليس "تتزاحم") في "العاصمة" بغداد وحدها حوالي ثلاثة ملايين سيّارة، تسيرُ فوق شوارع لا تتسّع لأكثر من 300 ألف سيّارة .. شوارع يعود أحدثها الى بداية الثمانينيات من القرن الماضي .. شوارع لا تصلح حتّى لسير العربات الرومانيّة والفرعونيّة "المُقاتلة".. شوارع تُحاذيك عند سيركَ فيها عربات الحمير والأحصنة، وعشرات الآلآف من "التكاتك" و "الستّوتات" و "السايبات" و"الكيّات"، والدرّاجات الناريّة و"النفّاثة"، وناقلات الجنود المُدرّعة، و"الهمرات"، وشاحنات "قاطرة ومقطورة" تتسابق معك على سلوك الجانب الأيسر من الطريق، بحمولتها الشاسعة، وإطاراتها المخيفة، وأبواقها المرعبة، والويل لك إذا فكّرت بتجاوزها، أو سوّلتْ لك نفسكَ تنبيه سائقها إلى سلوك الجانب الأيمن من الطريق.

شوارعَ يقفُ فيها من يُريدُ الوقوف بسيّارتهِ، أينما أراد الوقوف.. لا حسيبَ ولا رقيبَ ولا رادع.. شوارعَ تتناثرُ الأنقاضُ من سيّارات الحمل فيها وسط الشارع، وتبقى تتطاير في الطريق "العامّ" على امتداد عدّة كيلومترات، بينما شرطيّ المرور المسكين باتَ يخاف من جميع "السوّاق"، أو يتظاهرُ بأنّهُ غير موجود، كتجسيدٍ صارخ لغيابِ "دولتهِ" الهشّة، وقانونها المُلتَبِس، وضعفها في بسط سلطتها (غير العادلة) بين الناس.

شوارع يرمي عليكَ "قادة" السيارات فيها، أعقاب سجائرهم، وقناني ماءهم، وأكياس"جبسهم"، و "قواطي" بيرتهم، و بقايا "لفّاتهم"، و"كلينكس" مخاطهم، بل ويبصقون عليكَ أحياناً .. فيلتصقُ كلّ ذلك بزجاج سيّاراتك الأمامي، وما عليك إزاء ذلك سوى أن "تبلعَ" و تسكت .. والويل لك إذا أبديتَ مجرّد سخطكَ على تصرّفاتٍ "قياديّة" مُشينةٍ كهذه.

شوارع تنامُ (وترعى)على ضفافها "الطليان" في "جوباتها"المُنيفة، ويخترقُ "البعرور" برائحته الباذخة ، أنفكَ "المتروس"غباراً وصوفاً ، ودُخّاناً من الرصاصِ الخالصِ عيار 24 قيراط ، و"عوالقَ" أخرى.. بينما سلع الدكاكين تُغطّي الأرصفة، وسكّان العراق جميعهم يتمايلون وسطَ الشارع كـ/ "الزومـ/بيّـ/ات"، ويُبحلِقونَ مُتجَهِّمين، في وجهكَ الباسم.  

شوارعَ تصُبُّ فيها عشرات الآلآف من سيّارات المحافظات يوميّا ، وكأنّ كلّ هذه المحافظات تعيشُ وتعملُ وتدرسُ في بغداد.. و حيثُ لا يوجد أيُّ منفذٍ غير شارعٍ "رئيسٍ" واحدٍ للوصول، وحيث لاتوجد لا جسور"حوليّة"، ولا مترو، ولا قطارات "زاحفة" أو "مُعلّقة"، ولا باصات للنقل العام .. والكلّ يتجّهُ الى مركز العاصمة، وكأنّهُ الثقب الأسود للكون.

ونحنُ أيضاً بحاجةٍ ماسّة لدراسةٍ اقتصاديّة ، توضّحُ لنا دور وزارة التخطيط في التحسّب لذلك .. وسلوك وزارة النقل لفشلها الذريع في التقليل من الضرر الجسيم المترتّب على ذلك .. و"تواطؤ" وزارة التجارة من خلال سماحها باستيراد هذا العدد الهائل من سيّارات الصالون ..

وإيضاح الدوافع والمبررات التي تجعل وزارة الماليّة والبنك المركزي العراقي "يغُضّان الطَرْفَ"عن سلوك المصارف التجارية(الحكومية والأهلية)وهي تقوم بتسليف الأفراد على نطاق واسع لشراء السيّارات الخاصّة، وكأنّ لا وجود لأي تسهيلات مصرفيّة إلاّ لتمويل هذا"النشاط" حصراً، ولا وجود لسياسة تقوم على تحديد "سقوف إئتمانيّة" مُلزِمة للمصارف ، وضابطة لعملها في حقل اختصاصها الرئيس، وهو تقديم"الإئتمان" بهدف الإستثمار في فروع النشاط الإنتاجي الرئيسة، وفي الخدمات المرتبطة بهذا النشاط ، في بلدٍ لا قيمةَ للوقتِ فيه، ويُهدَرُ فيه الزمنُ(كعامل إنتاجٍ) دونَ جدوى، ويُعاني اقتصادهُ من التضخّم والركود والتخلّف، وتُعاني بُنيتهُ التحتيّة الأساسيّة و"الفوقيّة"، من خرابٍ شبه تام ، وشبه شامل.

بريد المسلة

المسلة غير مسؤولة عن المحتوى (نصا ومعنى)، الذي يتضمن اسم الكاتب والمصدر

 

 

تابع الجديد والمفيد في المسلة اكسبريس عبر موبايلك اضغط هنا

تابع الجديد والمفيد في قناة المسلة تليغرام.. عبر الموبايل اضغط هنا

تابع الجديد والمفيد في صفحة المسلة على فيسبوك اضغط هنا

 

 


شارك الخبر

  • 11  
  • 5  

اضف تعليقك

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار المسلة علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.

  •  
       
  •