2021/12/28 09:35
  • عدد القراءات 17774
  • القسم : وجهات نظر

اعاصير السياسة

بغداد/المسلة:

 محمد زكي ابراهيـم 

كان التهافت المحموم على السلطة في السنوات التي سبقت انقلاب 17 تموز 1968، ليس من جانب "الغرباء" أو الخصوم التقليديين فحسب، بل من جانب "أهل البيت" أيضاً، نموذجاً واضحاً على الانحراف الفكري، والضياع العقائدي، في نظام اتسم بالهدوء والأمن وإطلاق الحريات بشكل غير خاف. 

كان هؤلاء الأقربون يصرحون علناً في مجالسهم الخاصة، وأحياناً العامة، برغبتهم في تغيير رأس النظام، من أجل تحقيق "أهداف" الجماهير الواسعة في التحرر والاشتراكية والوحدة، وغير ذلك من الأمور. مع أن جلهم كان يمتلك النفوذ والجاه والسلطة للوصول إلى هذه الغايات، أو بعضها على الأقل. وكان منهم وزراء، وموظفون كبار، وقادة جيش، وزعماء أحزاب مشاركة في السلطة.

يتملكني العجب وأنا أقرأ ما دونه هؤلاء في مذكراتهم، أو ما رواه الآخرون عنهم، حول الاستقالات الفردية أو الجماعية، لوزراء لم يمضوا في الحكم سوى أشهر معدودات. وسبب هذه الاستقالات انفعالات شخصية، أو مناكفات مع رأس السلطة. بل أن بعضها حدث بسبب شريط إذاعي، أو بيان وزاري، أو افتتاح مضمار سباق، أو سوى ذلك من صغائر الأمور!

وكنت أقول لماذا لم يلتفت هؤلاء إلى شؤون وزاراتهم، ويسهروا على خدمة مواطنيهم، وإصلاح دوائرهم، بدلاً من الدخول في نقاشات أو سجالات أو خصومات، أقل ما يقال عنها أنها غير منتجة. ولو فعلوا ذلك لنجحوا في بناء دولة قوية متماسكة. والتف حولهم الناس وأحبوهم. ولقطعوا الطريق على أسوأ مرحلة في تاريخ العراق الحديث، استمرت 35 عاماً !

إن صفحات من الحاضر الذي نشهده كل يوم، يجب أن تطوى. كما أن صفحات أخرى من الماضي القريب انطوت بالفعل. فمثلما كانت عملية تغيير الوجوه تتصدر الأولويات. ومثلما كان هناك سباق قوي على من يتولى الرئاسة أو الزعامة أو الوزارة، دون الالتفات إلى تغيير الواقع اليومي. ومثلما كانت الشعارات المرفوعة لا تختلف عن بعضها. فإن المشكلة ماتزال هي هي دون تغيير كبير أو حاسم.

والشائع الآن أن منصب الوزارة شأن سياسي يخص هذا الطرف أو ذاك. وحجبه عنه يعني التهميش والإقصاء والتجاهل. مع أن الوزير هو موظف كبير مسؤول عن مؤسسات وأشخاص ومعدات وأموال ومبان وممتلكات عامة. وواجبه الأصلي هو إدامة زخم الإنتاج وخدمة البلد، والسير به نحو وضع أفضل.

ومن الغريب أن الهم السياسي غدا الآن الشغل الشاغل للجميع. والفوز بالمقاعد والمناصب هو الفيصل بين النجاح والإخفاق. في حين أن ما يجب أن ينصرف إليه ذوو الهمة من الموظفين الناجحين هو تحقيق أكبر قدر من الفائدة للمجتمع، وإيجاد حلول للمشاكل المزمنة مثل البطالة وندرة فرص العمل، وتوقف شركات القطاع العام، والفساد الإداري والمالي. وقد أثبتت التجارب أن المسؤول الناجح قادر على تحقيق ذلك في دائرته، وأن "الحماس" الثوري في موقع العمل، هو أجدى وأنفع منه على وسائل الإعلام، لأنه يذلل الكثير من الصعوبات التي يضعها الآخرون أمام عجلة التقدم.

لا شك أن المجتمع الذي يتعطش إلى نماذج من هذا النوع، هو الذي يمنح شهادة الكفاءة للأشخاص المجتهدين. وهو الذي يقدر لهم الجهد المبذول، ويقر لهم بالنجاح. أما الحزب، أو الفئة، أو الطائفة، فإنها جميعاً تنفض أيديها من الشخص إذا ما طال به العهد، ولم يستطع أن يقدم لها ما تريده.  وليس الحصول على نماذج من هذا النوع صعباً، إلا أنه يحتاج إلى إرادات قوية، قادرة على الوقوف بوجه أعاصير السياسة.

لقد سقط أولئك الذين جعلوا الفوز بالمناصب معياراً للنجاح، واتضح أنهم في واد والمجتمع في واد آخر. وذوت أحزابهم بهدوء ودونما ضجة بعد أن انصرف الأنصار عنها. وسيسقط من لا يتعظ بدروس التاريخ، ولا يعرف ما هو الأجدر بالعمل، والأولى بالاتباع. لأن هذه هي سنة الحياة، ولن تجد لها تبديلاً !

بريد المسلة

المسلة غير مسؤولة عن المحتوى (نصا ومعنى)، الذي يتضمن اسم الكاتب والمصدر

 

 

 

تابع الجديد والمفيد في المسلة اكسبريس عبر موبايلك اضغط هنا

تابع الجديد والمفيد في قناة المسلة تليغرام.. عبر الموبايل اضغط هنا

تابع الجديد والمفيد في صفحة المسلة على فيسبوك اضغط هنا

 

 


شارك الخبر

  • 0  
  • 0  

اضف تعليقك

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار المسلة علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.

  •  
       
  •