2022/02/22 20:08
  • عدد القراءات 810
  • القسم : وجهات نظر

لماذا قتل احمد مشعل؟

بغداد/المسلة:

محمد زكي ابراهيـم

أحمد مشعل مهندس خمسيني يعمل في شركة المشاريع النفطية – وهي شركة عامة – منذ  سنوات طويلة. اعتاد جسده على أجواء العمل في الأراضي المفتوحة، حتى بات خشناً صلباً. ولفحت الشمس وجهه حتى أضحى شديد السمرة. ولم يعد له من زاد في هذه الدنيا سوى العمل المتقن الشاق.

ولأنه مخلص في عمله، دؤوب في القيام بواجبه، حريص على أداء ما يكلف به، فقد مات قبل أيام (19 شباط 2022) بشكل مفجع، وحزين. إذ أفرغ شخص موتور رصاصات عديدة في جسده الضئيل، دون شعور بالرحمة، أو إحساس بالذنب.

في كل بلدان العالم تعمد المجتمعات إلى دعم وتشجيع واحتضان الأشخاص المتفانين وذوي الخبرة، لأن من شأن ذلك أن يحفز الآخرين على سلوك هذا النهج، ويكرس قاعدة مهمة من قواعد تنظيم الحياة الاقتصادية، هي الثواب والعقاب.

لكن ما يحدث لدينا في العراق مغاير لذلك تماماً، فالمهملون والمتقاعسون والفاسدون يتبوأون المراكز، ويعتلون المناصب، ويحصلون على المحفزات، أما الجادون والمنتجون فيرزحون في القاع، هذا إذا لم يتعرضوا للأذى، أو يقابلوا بالكراهية. أو يفقدوا حياتهم أثناء الواجب، كما هي حال أحمد مشعل.

هذا الرجل لم يفعل ما يثير حفيظة الآخرين، لم يحمل سلاحاً يستفز به المشاعر، أو يتقو بمنظومة من الحراس أمام الغير.،كان يقوم بالإشراف على مد أنبوب للغاز شمال غرب الناصرية ليس بعيداً عن منطقة البطحاء، مع مجموعة صغيرة من العاملين.

ومن لديه معرفة بسيطة بمثل هذه المهمة، يدرك أنها لا تترك آثاراً ضارة على الأرض، ولا خدوشاً ناتئة في المكان. فحالما ينتهي وصل قطع الأنابيب ببعضها، ويكتمل تغليفها، تدفن تحت سطح الأرض بمتر واحد، وكأن شيئاً لم يكن، كل ذلك يجري بهدوء، بعيداً عن الناس وصخب الحياة. كان أحمد مشعل يصطحب العاملين معه كل يوم إلى موقع العمل، حتى في أيام العطل، وفي جو شديد البرودة، بأمان الله ودون أي ضجيج.

ما حدث أن شخصاً ما لم يرق له أن يمر خط الأنابيب هذا في أرض زراعية قيل أنها تعود لأسرته، حتى لو كان هذا الخط ينقل ثروة هائلة من ثروات المجتمع، هي سر بقائه ومصدر رزق أبنائه، كان بإمكانه أن يحصل على تعويض من الجهة المستفيدة من المشروع بموجب قانون سارٍ إذا كان يملك ما يثبت ملكيته للأرض، إلا أنه لم يفعل، فلديه ما هو أقوى من ذلك كله وهو السلاح الناري. حمل رشاشته ووجه فوهتها نحو موظف صغير في الدولة، لا حول له ولا قوة.

كان ذنب أحمد مشعل أنه رجل محب لعمله، وهي تهمة تستحق الموت بنظر أفراد العشائر القاطنين على تخوم الحقول النفطية، أما أولئك القابعون في مكاتبهم، يمارسون مهنة الابتزاز والالتفاف على القانون وعرقلة أعمال الدولة والسطو على المال العام، فهم يحظون بالعيش الرغيد وتبجيل عموم المجتمع. ولا يتعرضون لأي خطر أو محنة.

لو بقي أحمد هذا جالساً على كرسيه في غرفة دافئة، يتناول الشاي الساخن، ويتصفح هاتفه النقال، ويتعاطف مع هذه التغريدة أو تلك على شبكات التواصل الاجتماعي، لما أصابه سوء، ولما واجه رصاصات غادرة، ولما رزئت أسرته به. ولما ذاق أولاده مرارة اليتم.

يقتل الرجال عندنا – وهذه ليست الحادثة الأولى – لأنهم أناس شرفاء ومخلصون ومنتجون. فمثل هذه النعوت تبدو مثالب يستحق صاحبها أن يموت بشكل مفجع وحزين. لقد انقلبت الموازين فجأة، وباتت قيم العمل والإنتاج والوطنية لا تلقى سوى الإعراض، لأنها في نظر العامة قبيحة وكريهة وخارج مفاهيم العصر.

أليست هذه هي نهاية التاريخ في بلد شبع من الحضارات والإنجازات والحوادث الجسام، على مدى آلاف السنين؟

بريد المسلة
المسلة غير مسؤولة عن المحتوى (نصا ومعنى)، الذي يتضمن اسم الكاتب والمصدر

 

 

تابع الجديد والمفيد في المسلة اكسبريس عبر موبايلك اضغط هنا

تابع الجديد والمفيد في قناة المسلة تليغرام.. عبر الموبايل اضغط هنا

تابع الجديد والمفيد في صفحة المسلة على فيسبوك اضغط هنا

 


شارك الخبر

  • 3  
  • 0  

( 1)التعليقات

    • ارسال رد
    • أبلغ عن اساءة
    • 0  
    •   1
  • (1) - موسى
    2/23/2022 4:46:22 AM

    لو قتل موظف كرديا لقامت الدنيا ولم تقعد ووظفت كل وسائل الاعلام الكردية والعراقية التي تحت سيطرة عصابات البيشمركة بالعويل واتهام الاخرين بالشوفينية والبعثية والعنصرية ولو قتل موظف سني في الفلوجة لكانت الفضائيات العراقية الممولة من الخليج والسعودية وقطر والوطنية جدا جدا جدا بالصراخ واعادة الاسطوانة المشروخة الا وهي اسطوانة التهميش والاقصاء ومليشيات ايرانية ..اما ان يقتل موظف في الجنوب فلا تستحق هذة الجريمة حتى الاشارة الى قتله... وتصبح القضية عادية جدا..



اضف تعليقك

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار المسلة علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.

  •  
       
  •