2022/06/14 20:35
  • عدد القراءات 6499
  • القسم : وجهات نظر

ام رعد وعشرة دنانير

بغداد/المسلة:  

نبيل محمد سمارة

لا اعرف كيف تذكرت قصة جارتنا القديمة أم رعد التي مر على وفاتها ٢٧ عاما، ولكن أحببت تمرير قصتي ونشرها هنا عسى ان تكون عبرة للذين "تخمت" بطونهم من مال الحرام.

أم رعد امراة تبيع السمك فارشة الارض بعشر مترات, ضاربة القوانين بعرض الحائط, حتى جماعة حزب البعث الذي كان  حاكما للعراق لم يستطع زحيها لمخالفتها قوانين البلدية.

 أم رعد رحمها الله , شرسة تتعارك حتى مع القطة , لم تمتلك الرحمة , تتشاجر مع المارة , ويا ويل للذي يمر من أمامها ولم يشتري كيلو أو أكثر منها . والمشكلة أن المتسوق مرغم من المرور من أمامها , لانها تبيع في بداية سوق الحرية الثانية.

 كنا في وقتها نجاملها وأحيانا نشتري السمك منها كل أسبوع كيلو كي لا تسجلنا في قائمة الأعداء , وهذا الحال ينطبق على جميع أهالي الحي , حتى شيوخ العشائر " يتحاشون" مشاكلها ,وسيارات النجدة الذين هم أهل القانون يخافون منها . بكل الاحوال هي امراة , أن شتمت لا يستطيع الرجل أن يرد عليها . 

في وقتها كنت صبي أمر من أمامها واتخيل أنني أمر من أمام دب مفترس يحاول أكلي, وعلى هذا أقوم بضربها بحجر صغير كي تركض ورائي , لأنني أعلم أن هذه المرأة بوزنها الثقيل لا تستطيع اللحاق بي وأنا الصبي الخفيف.

لا أعلم يا أصدقائي لماذا أنا - أحاول التحرش بها رغم أنها لم تتجاسر علي , ولكني أشعر بالاثارة مثل الاسبانيين وهم يطعنون الثور فيقوم بالركض ورائهم , ومن يسقط يتكسر جسده أو يتمزق .
أنا أعترف صراحة لكم . أنني مخطئ تجاة فعلتي هذه , ولكن بتصرفاتها الرعناء جعلتني ان أقود كومة من الصبية لمشاكستها , فتحمل السكين متوعدة لنا بطعننا  , أوقفت أمي هذه المراة ووعدتها بانها سوف تمزقني ان استمريت على هذا المنوال.

تبت من تصرفاتي الصبيانية لخاطر أمي , واصبحت تجاه أم رعد مثل الطفل الذي فقد والداه فصار مكسور الخاطر , كبرت علاقتنا معها رغم الحذر , لأننا نعلم مهما نقدم لها من خدمات تنساها فورا.

 مرة من المرات الصدفة لعبت دورا لتكون في النهاية حكمة مؤثرة . كان والدي قد استلم راتبه من مدرسته , فأستوقفت أم رعد والدي وترجته أن تستلف منه عشر دنانير , لتشتري السمك , ولا اعرف للساعة لماذا والدي اعطاها هذا المبلغ والذي في حينها كان مبلغا دسما ,وقلت له : لماذا يا والدي سلفتها هذا المبلغ الكبير وقال لي : هذا ليس شانك , وبعد مرور شهر , وشهرين لم تسلم أم رعد المبلغ لوالدي , وذهب لها طالبا حقه فأنكرت ام رعد وقالت لوالدي : هل عندك دليل ؟! , أبي انصرف عنها والعوض على الله , وبعد مرور ثلاث سنوات , أم رعد لم نشاهدها خلال شهرين ولم نشاهد بضاعتها ذات الرائحة الكريهة , توقعنا انها ذهبت عند أشقائها في احدى محافظات العراق وستعود.

وذات يوم باب دارنا يطرق , فتحت الباب واذا بأبنها يمد العشر دنانير ويقول لوالدي هذا المبلغ الذي كان بذمة والدتي وهي من بعثتني لاعطيك اياه ! كان الموقف مملوء بالغرابة , ولا نعرف لماذا سلمت المبلغ رغم مرور أكثر من ثلاث سنوات , وبعد أسبوع سمعنا ان ام رعد قد انتقلت روحها للسماء بسبب مرض خبيث سرى في جسدها , فعلمنا انها تريد أن تموت غير مديونة لأحد ..

هذه الحكاية تذكرني بسراق اليوم , والذين لعبوا بمليارات الدنانير من دون أن يفكروا ان الموت لاحقهم لا محال , نسوا أو تناسوا أن ما يجنوه سوف يتركوه ولا يبقى لهم سوى الكفن , ما يحز في قلبي , ان هناك الألاف من المرضى بحاجة الى عمليات جراحية ولا يملكون المال , تمنيت أن يبنوا مستشقيات تغطي الحاجة لها , كنت أتمنى ان يعمروا المدارس للأطفال , وبناء جيلا مثقفا , كنت أتمنى من المليارديرية أن يقراوا قصة أم رعد والعشرة دنانير.

بريد المسلة

المسلة غير مسؤولة عن المحتوى (نصا ومعنى)، الذي يتضمن اسم الكاتب والمصدر

 

تابع الجديد والمفيد في المسلة اكسبريس عبر موبايلك اضغط هنا

تابع الجديد والمفيد في قناة المسلة تليغرام.. عبر الموبايل اضغط هنا

تابع الجديد والمفيد في صفحة المسلة على فيسبوك اضغط هنا

 

 

 

 


شارك الخبر

  • 3  
  • 9  

اضف تعليقك

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار المسلة علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.

  •  
       
  •