2022/06/21 22:15
  • عدد القراءات 2012
  • القسم : آراء

الارتدادات النفسية للازمة السياسية العراقية

بغداد/المسلة:

ابراهيم العبادي

ترصد الابحاث والدراسات الحديثة ،انعكاسات وارتدادات الازمات السياسية والاقتصادية على الصحة النفسية للانسان ،فما من حرب أهلية أو صراع ساخن او ركود اقتصادي مصحوب بمستويات فقر كبيرة وتهميش واسع للفئات الضعيفة في المجتمع ،الا ويترك اثره النفسي على الافراد ليتبدى لاحقا في سلوك مضطرب واتجاهات سياسية تميل الى الحدية والعنف.

ركزت اكثر ابحاث علم النفس السياسي على نزاعات الهوية والعنصرية والارهاب والابادة والهجرة والانتخاب ،وتراكم تراث كبير من المعارف العلمية التي وفرت منهجية نظرية وتطبيقات قادرةعلى قياس الاثار والارتدادات المختلفة للاحداث الفردية والجماعية الكبرى على تفكير وسلوك الافراد اللاحق ،ومن ضمنها الانضمام الى جماعات مسلحة ،او ذات اتجاهات تدعو الى التغيير والاصلاح السياسي والاقتصادي ،أو الى جماعات تتبنى رفض الواقع وتجنح الى افعال صادمة للمجتمع او تؤثر الانسحاب الى الزوايا البعيدة وتنخرط في عالم الروحانيات والغيبيات للتغلب على وحش الواقع المادي الصادم.

في العراق  يعيش الناس هوس الانشغال بالسياسة والسياسيين ،في ظل قناعات بغنى البلاد وتناقض هذه القناعة مع واقع دال على عدم الكفاءة وهدر الموارد وضعف الانجاز وراهن متخم بالبطالة والفساد وضعف الخدمات ،كما ينتشر الفقر وتتزايد حالات الادمان والعنف الاجتماعي والانتحار وتفكك الاسر .هذه المؤشرات السلبية لاينفرد فيها العراق وحده ،لكن المفارقة الكبيرة تكمن في اتساع الفجوة الاخلاقية بين الجمهور وطبقته السياسية ،حيث يحمل الناس السياسيين المسؤولية كاملة عما يكابدون من مشقات ،ويعتقدون ان هولاء السياسيين غير مبالين بواقع الفئات الاجتماعية التي تشعر انها لاتحصل على ماتستحق من ثروات بلادها ولاامل لها بمستقبل خال من المشقات والصعوبات الحادة.

هذه الشروط الحياتية المنتجة لكل انواع الغضب والاحباط والعدوان ،ترتد نفسيا واجتماعيا بمايشبه السلوك الارتيابي العام ،حيث تنخفض الثقة الاجتماعية المتبادلة ،ويظهر نمط من العلاقات طرفاه،  جاني ومجني عليه ،جلاد وضحية ،سارق ومسروق منه ،هذه العلاقات تتكرس يوما بعد اخر دونما اكتراث من السياسيين ،او انهم لايقدرون نتائجها المستقبلية رغم مايبدو على بياناتهم واجتماعاتهم من قلق واعتراف بصعوبات الظرف السياسي والاقتصادي في البلاد.

حينما تفشل اخلاق المسؤولية السياسية والاجتماعية في دفع السياسيين الى التنازل المتبادل وتقديم المصلحة العامة ،لابد ان يكون  الخلل بنيويا،متجذرا في الثقافة السياسية وابجديات العمل السياسي في نظام يتعلم مباديء الديمقراطية دونما  قدرة على تمثلها في الواقع.

نظرة سريعة تكشف ان المختلفين سياسيا ينتمي معظمهم الى أصول فكرية واحدة ،لكن مافرقهم هو الخصومة الشخصية والتقابل الحزبي الذي يتلبس بلباس الاختلاف المفاهيمي والفكري ،غير ان الصراع هو ذات الصراع الذي تجذر في حياة المسلمين السياسية ،الصراع على من يجلس بمقعد من يقود ،والى اي جبهة او محور ينتمي ؟،وفيما تنقسم الساحة السياسية ويزداد طابع الخصومة سخونة ،يبدو الجانب اللامرئي اكثر سخونة ،فهناك المئات بل الالاف الذين يعيشون صراعا نفسيا داخليا قد يخرج الى العلن ،فيجد الافراد من يتوافق معهم في الرؤية ،انهم بلاشك يتسائلون عن الجهة أو الجماعة او الزعيم الذي يحملونه مسؤولية التردي والاخفاق ،؟عمن يرونه مسؤولا عن تعاستهم اومصدر احباطهم ،عمن تسبب في هدر حياتهم وجعلهم اناسا مهدورين أو شخصيات مهدورة  كما يسميهم الباحث النفسي مصطفى حجازي .
لانتوقع رد فعل متماثل او متشابه ،لكن عالم الازمات والاحباطات والغضب يحمل اناسا على بناء ايديولوجيات خلاصية ،ويدفع اخرين نحو التجمع في جماعات احتجاجية ،ويسوق صنف ثالث نحو الانتقام والثأر ،فيما يتجه غيرهم الى مشاريع الاصلاح والتغيير ، قد تكون ديمقراطية سلمية وقدتكون انقلابية ثورية.

مجتمعنا يختزن غضبا كامنا ،هناك استعداد للتطرف كما هو متوقع من كل مجتمع مأزوم ،وهناك تجارب تاريخية سطرت دروسا في ديناميات العمل السياسي والفاعلية الاجتماعية التي انتجتها ،ففيما تهيم اتجاهات نحو الحركات المهدوية والسلوكية الصوفية لتجد جوابا لاسئلتها وازمتها ،تذهب اتجاهات لتصنع حيزها السياسي وتضغط باتجاه الحصول على استحقاقها من مساحة الحكم والسلطات ومؤسسات انتاج الدور السياسي.

نحتاج الى قراءة سيكوسياسية معمقة لجوانية الحياة العراقية وهي تتفاعل مع واقعها المثقل بالازمات والمنتج لكل انواع الاستجابات العادية والخطيرة ،العقلانية تستدعي الحذر الشديد والتصرف بعد قراءة معمقة لمجتمع يراقب ويطلق الانذارات للعقول النابهة .لنتذكر ان جمهور جماعات الارهاب تغذى من الازمات السياسية ومعاناة السجون والتعذيب ليجد  مسوغات لانخراطه في مشروع السلفية القتالية ،وان جذر هذه الحركات نبت في سجون جمال عبدالناصر (ت1969) ووجد في فكر سيدقطب (ت1966) رؤية دينية لتفسير واقعه والعالم من حوله، وانتهت الامور الى توالد مخيف لحركات القتل والقتال والتكفير والهجرة، ويوتوبيا العالم البديل عالم (دولة الخلافة على نهج النبوة )،في الحقل الشيعي سنشهد المزيد من الطقوسية الهوياتية والاحتجاج المتحرك باتجاه الالحاد والباطنية المتأولة للرمزية الدينية وربما نجد من يحاول اعادة تجربة قلعة ألموت الاسماعيلية في القرن السابع الهجري والبابية التي انجبت مابعدها في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.

بريد المسلة

المسلة غير مسؤولة عن المحتوى (نصا ومعنى)، الذي يتضمن اسم الكاتب والمصدر

 

 

تابع الجديد والمفيد في المسلة اكسبريس عبر موبايلك اضغط هنا

تابع الجديد والمفيد في قناة المسلة تليغرام.. عبر الموبايل اضغط هنا

تابع الجديد والمفيد في صفحة المسلة على فيسبوك اضغط هنا

 

 

 

 


شارك الخبر

  • 1  
  • 5  

اضف تعليقك

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار المسلة علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.

  •  
       
  •