2017/01/16 14:38
  • عدد القراءات 681
  • القسم : وجهات نظر

تبحث عن مأوى لطفلتها

أنا يتيمة. أبي مات في الحرب وانا طفلة صغيرة.. عام عند خوالي وعام عند عمامي وبقية عمري قضيتة في ملجئ الايتام ليس لي أهل وﻻ أعرف أين أذهب.

بغداد/المسلة

كتب المهندس أياد البغدادي: اليوم هو الجمعة ومن عادتي في مثل هذا اليوم ان اذهب الى شارع المتنبي، الى سوق الكتب، الى العالم الرحب الذي احببته منذ كنت صبيا يافعا.

في هذا السوق أشعر بالسعادة والطمأنينة التي أفتقدها في بقية الاماكن من مدينتي بغداد، بغداد هذه المدينة الفائقة الجمال. المدينة التي تغنى بها الشعراء وأبدع فيها العلماء, بغداد المدينة التي كانت أمنية ما بعدها أمنية لكل من تاقت نفسه للجمال والكمال والفن والعلم، مدينة المبدعين، لكن بغداد وبعد كل هذا الالق والشموخ والبهاء، شاخت وما عادت كما كانت فيما مضى من الزمان بغداد. بعد أن كانت ساحرة الشرق ومنار الغرب، شاخت وذبلت ووهن أهلوها وجفت منابعها وروافدها،

فقدت بغداد ناسها وزمانها وسلطانها وهيبتها وأصبحت مدينة للأشباح، مدينة ترتاع منها النفوس وتتأسف على ماضيها البهي الجميل، ظمرت عروقها وتيبست أشجارها وتصحرت اطرافها بعد أن كانت جنان ما تضاهيها سوى جنان رب العالمين، اليوم بغداد بلدة خاوية ليس فيها ألق وﻻ شموخ وﻻ بهاء وﻻ حتى كبرياء، أكوام من الانقاض تملأ شوارعها وبؤس في أحيائها، تحاصرها مطامر الانقاض وتشوهها آﻻف من المباني العشوائية  ..

أصبح هؤﻻء وقود لحرب مجهولة يصب ريعها وزهو أنتصارها .

في هذا الصباح من يوم الجمعة تملكني شعور غريب لم أشعر به من قبل، ألم وخوف وكآبة من تفجيرات حدثت في بغداد بالامس..

الفاعلون ينهشون في اوصال بغداد وﻻ زال هؤﻻء   يحقدون عليها وعلى اهلها الطيبين المسالمين يعمدون الى تهديمها وأشاعة الفوضى والخراب في أرجائها ﻻ زال هؤﻻء يقتلون أهل بغداد ويشيعون الخوف فيهم ويروعون اطفالهم ونسائهم، نظرت الى الشارع الذي اسكن فيه فكان كئيبا تتطاير فيه اكياس النايلون وسدت منافذه كتل الكونكرت الضخمة والتي اصبحت مكبا للنفايات ترتع فيها الكلاب السائبة والجرذان والقطط والتي تتقافز بين هذا المكب وذلك الذي بعثرته تلك المرأة المتلفعة بالسواد من رأسها الى أسفل قدميها ولم يبن من جسدها سوى عينان غائرتان وحتى اني اشك في أنها أمرأة على كل حال فمهما جمعنا النفيات في اكياسها فأن هذه المرأة ﻻبد وأن تبعثر النفايات بحثا عن علب الالمنيوم. أشعر باﻷسى لهذه المرأة فهذا مصدر عيشها وهناك المئات من أمثالها يبحثن أو يبعثرن النفايات بحثا عن علب الالمنيوم. الشارع الذي فيه مسكني طويل وفيه تراصفت السيارات الحديثة والانيقة والتي ما كنا نحلم أن نراها فيما مضى من سنوات الحصار. أمعنت النظر في الشارع متفحصا هذه السيارات الحديثة والجميلة. وأنا في تأملي هذا وقع نظري على امرأة تسرع الخطى وقد حملت في أحدى يديها طفل رضيع وفي الاخرى حقيبة ملابس صغيرة أمعنت النظر فيها وهي ﻻ زلت بعيدة عني وخطواتها المتسارعة المرتبكة شدتني إليها. حاولت أن اتبين ملامح وجهها وركزت نظري نحوها وﻻحظت أنها تنظر الي أيضا وكأنها تريد مني شيئا ما.

لكني استدرت متجها الى داري وشعرت اثناء ذلك بأنها أومأت الي، تجاهلت ذلك وحاولت الدخول الى الدار لكن شيئا ما دفعني للعدول عن دخول الدار واتجهت مجددا الى الشارع. أقتربت مني وكانت متعبة وﻻ يبدو عليها انها متسولة فهي شابة لم يتجاوز عمرها الثلاثون عاما لكن الهم والبؤس أخذ من نظارة وجهها وأحالها الى امرأة تعيسة وتعبانة وهذا ما بدى عليها. سألتني وبدون مقدمات أوسلام.

هل يوجد مكان للسكن هنا ؟

قلت لها ولماذا تسألين ؟

قالت لى وقد دمعت عينيها ..أريد أحدا يؤويني!!!

وأين أهلك وزوجك ؟ قلت لها.. وأنتقل ما بها من يحزن وحرمان إلى قلبي وقد أسفت عليها كيف خرجت في هذا الصباح وهي تحمل طفلا رضيعا.

جلست على الارض وأخذت تبكي بصوت خافت وأنين مقهور تتفطر له القلوب وكانت وهي تبكي تغير ملابس طفلها الرضيع وقد أخرجت بعضا من الملابس من الحقيبه التي معها

قالت بعد ان تمالكت نفسها. زوجي يضربني كل يوم وهو يأتي سكران واليوم جاء عند الصباح واوسعني ركلاً بقدميه وجاءت احدى ضرباته في هذه الطفلة أنظر، كان هناك أثر ضرب على قدم الطفلة المسكينة. أب سكران متهور وأمرأة تعيسة وطفلة ربما لن يكتب لها العيش وسط هذا الجو العائلي وإن كتب لها العيش فلن تكون أسعد حاﻻ من أمها.

كان متعمدا ان يضرب الطفلة.. يقول انها ليست ابنته هذا ما قالته بألم وحسرة وأجهشت بالبكاء.. حاولت مواساتها فقلت لها.. عليك ان تذهبي الى أهلك وتشكي حالك لهم.. وهنا كأنما فتحت لها جرحا عميقا غائرا ليس له دواء قالت ليس لي أهل فأنا يتيمة وأبي مات في الحرب وانا طفلة صغيرة.. سنة عند خوالي وسنة عند عمامي وبقية عمري قضيتة في ملجئ الايتام ليس لي أهل وﻻ أعرف أين أذهب.. أين أذهب ليس لي دار تؤويني وأريد من أهل الرحمة إيوائي

من يجرؤ على؟ قلت في نفسي.. فنحن اليوم نعيش في وسط بيئة تتحكم فيها الاحكام والتقاليد العشائرية.

دخلت الى البيت وجلبت لها ماء وبعض المال واعطيته لها فقالت لي بأنها ﻻ تستجدي وأنما تريد احدا يؤويها مع طفلتها طلبت منها الرحيل فورا ﻻني ﻻ أستطيع حتى ان ابقيها هنا جالسة على الارض وان عليها الاسراع ازداد بؤسها وألمها عند سماعها هذا الكلام لم تقل شيئا اخر نهضت ونظرت الى المال الذي اعطيتها لها فقالت لي انه مبلغ كبير.

نعم لكنه ليس اكبر مما شعرت به الان.. وكم تمنيت ان اكون في عداد الموتى على ان ارى مثل هذه المرأة.

 

المصدر: بريد المسلة


شارك الخبر

  • 0  
  • 0  

اضف تعليقك

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار المسلة علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.

  •  
       
  •