المسلة

المسلة الحدث كما حدث

العواء في الصحراء: جعجعةٌ فارغة.. حقيقةٌ غائبة… بلا “سند”

العواء في الصحراء: جعجعةٌ فارغة.. حقيقةٌ غائبة… بلا “سند”

21 دجنبر، 2025

بغداد/المسلة

كتب أحمد الحمداني: يقول تقرير مصور تابعته منذ مدة في قناة ناشيونال جيوگرافيك ان الكلاب من النوع السلوقي و التي تعتاش في الصحراء حينما يشتد جوعها تعوي باقوى ما تستطيع في محاولة للنجدة او ايجاد فريسة او اخافة من حواليها من كائنات حية لغرض التسبب بارباكها و من ثم الانقضاض عليها .

ذكرني سلوك هذا النوع من الكلاب بسلوك بعض الشخصيات فارغة المحتوى في زمن اختلطت فيه الشعارات بالحقائق و صدح فيه الصوت على حساب المضمون برز نموذج سياسي إشكالي قدّم نفسه بوصفه محاربًا للفساد في حين يتكئ في ممارساته على الضجيج و العواء الإعلامي أكثر من الوقائع الموثقة.

فما يُطرح على أنه كشفٌ للفساد يتحول في كثير من الأحيان إلى حملة إعلامية صاخبة تُنتقى فيها المعلومات بعد التدليس وتُعرض خارج سياقها بما يخدم هدفًا سياسيًا محددًا ، وهنا يصبح الإعلام الشعبوي العشوائي بكل جعجعته الفارغة سيفًا أعمى يُسلَّط على رقبة الحقيقة فلا يميّز بين الاتهام والتحقيق ولا بين الشبهة والدليل و تكون الحقيقة فيه هي الضحية الأولى.

هذا الخطاب لا يستهدف فقط تشويه الوقائع بل يتجه بوضوح إلى استهداف شخصيات سياسية من الصف الأول ذات حضور وتأثير في المشهد و الوضع السياسي العام إضافة إلى استهداف الحكومة نفسها، وربما بشكل خاص شخص رئيس الوزراء عبر ربطه المتكرر بملفات تُطرح إعلاميًا دون أن تُستكمل مساراتها القانونية أو الرقابية.

وفي مقابل هذا الهجوم المتواصل يلاحظ ان هناك صمت لافت تجاه ملفات أخرى وأسماء أخرى و مشاريع غارقة في التلكؤ و الفساد لا تقل أهمية أو حساسية عن أي ملف آخر، هذه الانتقائية تطرح أسئلة مشروعة حول الدوافع الحقيقية وتكشف أن الهدف ليس محاربة الفساد بقدر ما هو توظيفه سياسيًا.

إن محاربة الفساد لا تكون عبر الجعجعة والتدليس ولا عبر الإعلام الشعبوي ولا باستهداف شخصيات سياسية او حكومية دون مسار مؤسسي واضح ، بل تكون بالشفافية و بالمعلومات مكتملة الأركان والدليل وباحترام الحقيقة التي لا تحتمل التدليس و لا العواء في الصحراء ، إن أخطر ما في هذا النمط من الخطاب ليس حدّته، بل قدرته على إرباك الوعي العام فحين تُستبدل الحقيقة بالضجيج ويُستعاض عن التحقيق بالتلميح يتحول الرأي العام إلى ساحة مشوشة يُدفع فيها المواطن إلى الشك بالجميع دون أن يمتلك أدوات التمييز بين الحق والادعاء.

بهذا الأسلوب، لا يُساء فقط إلى شخصيات سياسية بعينها أو إلى الحكومة ورئيسها بل تُضرب فكرة الدولة نفسها وتُهتز الثقة بمؤسساتها ويُفتح الباب أمام فوضى الاتهام المجاني وعندها لا يعود الفساد هو الخطر الوحيد بل يصبح تسييس محاربة الفساد خطرًا أكبر لأنه يفرغها من معناها ويحوّلها إلى سلاح في ساحات صراع النفوذ ؛

إن الشعوب لا تحتاج إلى أبطال من ورق ولا إلى جعجعة فارغة بل إلى مواقف مسؤولة وكلام محسوب وجرأة تُقاس بقدرتها على قول الحقيقة كاملة لا بعلو الصوت ولا بكثرة الظهور ،

فالحقيقة و إن تأخرت فلن تُمحى بالصراخ ولن تتكسر بالسيوف العمياء بل ستعلو بالعقل والمسؤولية و الصدق واحترام وعي الناس في زمن اختلط فيه الحابل بالنابل و لبس السلوقي فيه ثوب النزاهة و تعالت فيه اصواتُ قومٍ لا يفرقون بين الناقة و الجمل .

 

 


المسلة – متابعة – وكالات

النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

About Post Author