بغداد/المسلة: تتجسد عمالة الأطفال في العراق اليوم كمأساة مركبة، تتقاطع فيها هشاشة الاقتصاد مع ضعف الرقابة وتواطؤ بعض أرباب العمل مع أسر مسحوقة، ما يحوّل آلاف الأطفال إلى قوة عمل رخيصة تُستغل في بيئات خطرة، من الأسواق الشعبية إلى التقاطعات المرورية، حيث يصبح الخطر جزءًا من يوميات الطفولة المهدورة.
وفيما تتزايد مظاهر التشرد وانتشار الأطفال العاملين في الشوارع، تتصاعد تساؤلات واسعة حول فاعلية السياسات الحكومية المعلنة لحماية الفئات الهشة، ولا سيما القاصرين دون السن القانوني، وسط شعور عام بأن التدخلات ما تزال مجتزأة ولا تمس جذور المشكلة المتصلة بالفقر والبطالة وتآكل شبكات الحماية.
وباتت مشاهد الأطفال المنخرطين في أعمال شاقة أو غير ملائمة لأعمارهم مؤشرًا مقلقًا على اختلال منظومة الحماية الاجتماعية، رغم وجود أطر قانونية تنظم عمل القاصرين وتحظر استغلالهم، ما يعكس فجوة واضحة بين النص القانوني والتطبيق الميداني.
وأعادت حادثة دهس طفل في محافظة البصرة، كان يعمل ببيع الشاي في أحد الشوارع، الجدل مجددًا حول مخاطر عمالة الأطفال، بعد أن تحولت القصة إلى رمز يومي لمخاطر العمل القسري في فضاءات غير آمنة، حيث لا تأمين ولا رقابة ولا مساءلة.
وأثارت الحادثة موجة غضب وتعاطف على منصات التواصل، إذ قال أحد الناشطين عبر منصة إكس إن “الطفل لم يكن يبحث عن رفاهية بل عن لقمة عيش”، فيما كتبت ناشطة عبر فيسبوك أن “الشوارع باتت مدارس بديلة للأطفال الفقراء، لكنها مدارس للموت”.
وفي خضم هذا الجدل، يرى مختصون أن تفشي عمالة الأطفال لا يرتبط بغياب التشريعات، بل بضعف تطبيقها، إذ يؤكد الخبير القانوني أحمد العبادي أن القوانين النافذة، وعلى رأسها قانون رعاية الأحداث، تتضمن معالجات واضحة لحماية الأطفال من الاستغلال، لكنها تصطدم بتقصير تنفيذي وضعف تنسيق بين الجهات المعنية.
ويشير العبادي إلى أن القانون يمنع تشغيل القاصرين في الأعمال الخطرة وينظم برامج الرعاية والتأهيل، غير أن غياب الرقابة وتراجع دور المؤسسات الاجتماعية يحول هذه النصوص إلى حبر على ورق، في ظل أزمات اقتصادية متراكمة.
وعلى الرغم من وضوح النصوص القانونية، تستمر الانتهاكات بحق الأطفال، مع انتشار التسول والعمل القسري، متأثرة بإرث الحروب والفساد وتفكك البنى الاجتماعية، حيث أظهرت بيانات رسمية سابقة وجود نحو 5 ملايين يتيم في العراق، وانخراط قرابة مليون طفل في سوق العمل، إلى جانب 4.5 ملايين طفل تعيش عائلاتهم تحت خط الفقر، و45 ألف طفل بلا أوراق ثبوتية.
وينقل متابعون أن غياب الحلول الجذرية يهدد بتكريس جيل كامل خارج التعليم والحماية، ما يضع البلاد أمام تحدٍ اجتماعي طويل الأمد، يتطلب إرادة تنفيذية تتجاوز الشعارات إلى حماية فعلية للطفولة.
المسلة – متابعة – وكالات
النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

أخبار ذات علاقة
عودة المالكي ومخاوف الصدام : أزمة التكليف بين ضغوط الدولار وتوازنات السلاح
هشام الركابي: ترشيح المالكي حق دستوري لا يُصادر بالضغوط أو حملات التشويه
حقائق: قضايا محل خلاف بين واشنطن وطهران