المسلة

المسلة الحدث كما حدث

القصة الخفية لانهيار الذهب والفضة

القصة الخفية لانهيار الذهب والفضة

2 فبراير، 2026

بغداد/المسلة: ناجي الغزي

انهيار أسعار الذهب والفضة رغم تصاعد المخاطر الجيوسياسية والضبابية الاقتصادية يبدو ظاهرياً تناقضاً مع منطق الأسواق، إذ اعتادت المعادن الثمينة الارتفاع في أوقات القلق العالمي بوصفها ملاذاً آمناً. إلا أن ما حدث يكشف أن الأسواق الحديثة لا تُحركها الأساسيات وحدها، بل تتحكم بها السيولة والرافعة المالية وبنية الأسواق المشتقة.

في النظام المالي المعاصر، يُتداول الذهب والفضة أساساً كعقود مالية تفوق بكثير المعروض الفعلي. وعندما تضرب خسائر حادة أسواقاً أخرى، خصوصاً الأسهم مرتفعة التقييم، يتحول الذهب من أداة تحوّط إلى مصدر سيولة فوري. المستثمر الذي يواجه نداءات الهامش لا يقيّم مستقبل المعدن، بل يسعى لتأمين النقد فوراً، فيصبح البيع ضرورة لا خياراً. لذا كان الهبوط انعكاساً لأزمة سيولة، لا تصويتاً ضد القيمة الجوهرية.

تضخمت الحركة بسبب سوق الذهب “الورقي”، حيث تؤدي الرافعة وأوامر وقف الخسارة الجماعية إلى تسريع التراجعات عبر تصفيات آلية متتابعة. هذه الديناميكية تعكس هشاشة التوازن بين السيولة والمخاطر أكثر مما تعكس ضعفاً في أساسيات المعادن.

ورغم الهبوط، لا تزال البنوك المركزية تعزز احتياطياتها من الذهب، رغم المخاطر السياسية قائمة، والثقة بالعملات تتعرض لاختبارات متكررة. لذلك يُرجح أن ما نشهده يمثل إعادة ضبط فنية ومالية مؤقتة. وعندما تنحسر ضغوط السيولة، تعود الأسواق إلى تقييم العوامل الجوهرية، ما يبقي احتمال استعادة الذهب والفضة لمسارهما الصاعد قائماً في بيئة عدم اليقين النقدي والاقتصادي. في هذه الورقة التحليلية سأقدم أربعة محاور رئيسية لأسباب هبوط الذهب والفضة وارتفاع بسيط للدولار والعودة المحتملة للصعود:

*أولاً: ديناميكية الأسواق*

الهبوط المضطرد في أسعار الذهب والفضة خلال الجلسات الماضية لم ينبع من تغير جذري في العوامل الأساسية للطلب على الذهب كملاذ آمن، وإنما نتج من ديناميكية السوق المالي وسلوك المستثمرين الرافعيين (Leveraged).

العوامل الأساسية التقليدية التي تدفع الذهب للصعود هي: المخاطر الجيوسياسية، و ضعف أسعار الفائدة الحقيقية، و زيادات في شراء البنوك المركزية للذهب، و توقعات التضخم. كل هذه العوامل لا تزال موجودة، بل بعضها يتصاعد. إذن لماذا هبط الذهب؟

السبب الحقيقي ليس تراجعاً في القيمة الجوهرية للذهب، وإنما *هجوم سيولة مُنظَّم* في الأسواق المالية انعكس مباشرة على أسعار المعادن الثمينة بسبب تعاملها كسوق مالي عالي الرافعة وليس فقط كسلعة.

*ثانياً: السيولة هي المفتاح*

السوق المالي الحديث لا يتعامل مع الذهب والفضة كسبائك في المخازن، بل كـ *عقود مالية* (Paper Contracts) مُشتقّة وهي في غالب الأحيان رافعة (Leverage).

النقطة الأساسية: عندما تنهار أسواق الأسهم، خاصة التكنولوجيا منها، بضغوط مارجن كول (Margin Calls)، يطلب من المستثمرين زيادة الضمانات النقدية فوراً.

هذا يخلق ضغط سيولة هائل، فيحتاج المستثمرون للـ “كاش” بسرعة. وبما أن الذهب كان ولايزال من أسرع الأصول التي يمكن تحويلها إلى سيولة خلال انهيار الأسعار، ليس لأن قيمة الذهب انخفضت جوهرياً، بل لأن المستثمر مضطر لبيعه لسداد الـ مارجن كول. وهو يعني طلب إلزامي من الوسيط (شركة التداول أو البنك) للمستثمر بإيداع أموال إضافية فوراً

لأن قيمة الضمان الذي يملكه لم تعد كافية لتغطية الخسائر.. بمعنى آخر، أصبح الذهب في تلك اللحظة هو الصراف الآلي لسوق المال.

*ثالثاً: تغييرات تقنية في السوق*

إحدى النقاط المهمة التي أسهمت في التسارع الكبير للهبوط هي:

1- تغيير قواعد الرافعة المالية في سوق العقود: رفع الضمانات وقلّص الرافعة (Leverage) يعني أن المستثمرين الآن، بحاجة إلى دفع كاش أكثر للحفاظ على مراكزهم، أو ضرورة إغلاق مراكزهم لتفادي النداء. وبما أن السوق كان مُثقلًا بعقود رافعة… كل ذلك أدى إلى مبيعات مضطرّة دفعة واحدة.

2- أوامر وقف الخسارة (Stop Loss) الجماعية: عندما يضرب السعر مستويات حرجة، يتم تنفيذ ملايين أوامر وقف الخسارة دفعة واحدة. وهذا يخلق تأثير الدومينو، هبوط سريع، وضرب أوامر التداول التلقائي (Stop Orders )، و بيع إضافي، وهذا يؤدي الى: مزيد من الهبوط، ودفعة ضخمة من البيع التلقائي. وهنا لا يكون البيع اختيارياً، بل قسرياً من البرمجيات.

*رابعاً: ماذا حصل في الأسواق؟*

ما جرى في الأسواق لم يكن عشوائياً، بل تسلسلاً مترابطاً بدأ بضغط بيعي قوي في قطاع التكنولوجيا، شمل أسهماً كبرى مثل Microsoft، وأدى إلى تراجع واسع في مؤشر NASDAQ هذا الهبوط في قطاع متضخم التقييمات، ولّد خسائر كبيرة لدى المستثمرين المعتمدين على الرافعة المالية. ومع تفاقم الخسائر، صدرت نداءات هامش أجبرت المستثمرين على توفير سيولة فورية، فتحول التركيز من التوقعات إلى تأمين النقد.

ولأن الأسهم كانت تتراجع، اتجه البيع نحو الأصول السريعة التسييل، خصوصاً الذهب والفضة، لا بسبب ضعف جوهري بل لتغطية الضمانات. ومع كسر مستويات سعرية حساسة، تفعّلت أوامر وقف الخسارة جماعياً، فتسارعت التراجعات بأسلوب الدومينو، خاصة في سوق العقود الورقية عالي الرافعة. بالتزامن، تحسن الدولار مؤقتاً كملاذ سيولة، ما زاد الضغط على السلع. في المحصلة، كانت العملية “تنظيفاً” للمراكز الهشة، تمهيداً لإعادة بناء السوق على أسس أكثر توازناً بعد انحسار التصفية القسرية.

هناك من ينظر إلى الهبوط فرصة لتنظيف السوق، وطرد المضاربين شديدي الرافعة، وإعادة تسعير المخاطر، وإعادة الربط بين السعر والعامل الأساسي. وبالتالي: من بقي في السوق مستثمراً حقيقياً وليس مضارباً، قد يستفيد من ارتداد الأسعار عندما تستقر الأمور.

*هل سيعود الذهب والفضة للارتفاع؟*

الإجابة: نعم، من المحتمل أن يعود للارتفاع، لكن ليس بشكل انتكاسي فوري بعد الانهيار. ولكن لفهم لماذا سيعود بالارتفاع، يجب أن نتذكر: لماذا الذهب يرتفع أساساً؟

يرتفع عادةً في حالات الأمن، وفي أزمات التوترات الجيوسياسية، تلجأ البنوك المركزية الى تزايد احتياطاتها من الذهب، وكذلك التضخم المحقّق والمتوقع يدفع بالذهب للارتفاع كـ استثمار آمن، وضعف الفائدة الحقيقية يجعل فرص الاحتفاظ بالذهب أكثر جاذبية. هذه العوامل الأساسية لم تختفِ، بل بقيت أو ازدادت. ولكن ما حدث كان تصفية مؤقتة للمقامرين بالديون وليس انهياراً في الأساسيات.

أما سيناريوهات الصعود في المستقبل القريب والبعيد هي:

السيناريو الأول (القريب): هناك تذبذب واسع، واستيعاب قوانين الرافعة الجديدة، وتراجع تقلبات Panic Selling التي تعني البيع بدافع الذعر، أي ان الأسعار ستتأرجح تحت تأثير السيولة وتفاعلات السوق الآلي.

السيناريو الثاني (المتوسط): عودة الذهب للصعود إذا، بدأ الفيدرالي يخفف من السياسة النقدية العدوانية، وتباطئ اقتصادي عالمي واضح، وتجدد المخاطر الجيوسياسية

السيناريو الثالث (الأطول): ارتفاع حاد للذهب والفضة، عند استمرار شراء البنوك المركزية، وتسارع التضخم، وتراجع الدولار أمام سلة العملات.


المسلة – متابعة – وكالات

النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

About Post Author