المسلة

المسلة الحدث كما حدث

رند الرحيم تكتب في اتلانتك كاونسل: الإطار أخطأ في تقدير حجم المعارضة الأميركية للمالكي

رند الرحيم تكتب في اتلانتك كاونسل: الإطار أخطأ في تقدير حجم المعارضة الأميركية للمالكي

4 فبراير، 2026

بغداد/المسلة:

بقلم رند الرحيم وفيكتوريا تايلور في صحيفة اتلانتك كاونسل:

هدد الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأسبوع الماضي بفرض عواقب دبلوماسية واقتصادية على العراق في حال تولي نوري المالكي رئاسة الوزراء مجددًا.

وتستند المعارضة الأميركية لولاية ثالثة للمالكي إلى علاقاته الطويلة مع إيران وسياساته الطائفية التي انتهجها خلال فترة حكمه من 2006 إلى 2014.

ويعيد تدخل ترامب في مسار تشكيل الحكومة العراقية التذكير بأن عراقًا مستقرًا قادرًا على كبح النفوذ الإيراني يصب في صميم المصلحة الأميركية.

وأحدث منشور مقتضب لكنه حاسم للرئيس الأميركي دونالد ترامب على منصة “تروث سوشيال” في 27 يناير/كانون الثاني، يعارض فيه ترشح نوري المالكي لتولي رئاسة الوزراء العراقية، صدمة واسعة في المشهد السياسي العراقي.

وقبل رسالة ترامب، كان ترشيح المالكي غير المتوقع لولاية ثالثة يبدو وكأنه يتقدم من دون معارضة جدية.

وجاء هذا التقدم نتيجة مساومات النخبة السياسية، ونهج أميركي أقل تدخلًا، ودعم إيراني متوقع.

وكان ترشيح المالكي في 24 يناير مؤشرًا مقلقًا على أن العراق قد يتجه إلى الوراء بدلًا من التقدم. غير أن بضع جمل من ترامب كانت كافية لإنهاء هذا المسار فعليًا، وإعادة تأكيد أحقية الولايات المتحدة في التأثير على منصب رئاسة الوزراء العراقية.

كيف وصلنا إلى هنا؟

وعندما زارت إحدى الكاتبتين، فيكتوريا تايلور، بغداد في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، شدد قادة في الائتلاف الشيعي الحاكم، الإطار التنسيقي، على وجود إجماع راسخ ضد منح أي رئيس وزراء ولاية ثانية، وضد أي مرشح يمتلك حزبًا سياسيًا خاصًا به.

وغالبًا ما يُستشهد بولاية المالكي الثانية المثيرة للجدل باعتبارها السبب الرئيس لعدم السماح لأي رئيس وزراء عراقي بتجديد ولايته.

وظهر اسم المالكي في البداية بوصفه مناورة تكتيكية لدفعه، ومعه رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني، إلى الانسحاب من السباق.

لكن ترشيح المالكي اكتسب زخمًا بعد أن وافق السوداني على دعمه.

الإطار التنسيقي رشح المالكي رسميًا في 24 يناير، ولكن من دون إجماع كامل.

تاريخ مثير للجدل

ولا يُعد سعي الولايات المتحدة لعرقلة المالكي أمرًا مفاجئًا.

فخلال ولايتيه بين 2006 و2014، وضع المالكي أسس الدولة العراقية الحالية، ما يجعله مسؤولًا إلى حد كبير عن كثير من اختلالاتها.

وخلال عهده، ترسخت مظاهر الفساد والمحسوبية داخل مؤسسات الدولة.

وأدى سجله الحافل بالطائفية والارتياب، إلى جانب عدائه للأكراد والسنة، إلى دفع العراق نحو حافة الحرب الأهلية، وانتهى الأمر بسيطرة تنظيم “داعش” على ثلث الأراضي العراقية.

ورغم استعادة التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة لتلك الأراضي، فإن كثيرًا من العلل التي ترسخت في عهد المالكي ما زالت تقوض الدولة.

وقد وصف مسؤولون أميركيون سابقون خدموا في العراق خلال تلك الفترة تجربة المالكي بعبارات قاسية لا لبس فيها.

وفوق ذلك، يتمتع المالكي بعلاقات قديمة مع إيران تعود إلى سنوات نفيه قبل 2003، كما أن التزامه الأيديولوجي بالتشيع قاده إلى تبني سياسات خدمت المصالح الإيرانية على حساب الولايات المتحدة.

الانسحاب الكامل للقوات الأميركية عام 2011، ثم مساندته للميليشيات المدعومة من إيران، عززا نفوذ طهران في العراق على نحو مستدام.

ورفضت التصريحات الأميركية الأخيرة بشأن تشكيل الحكومة فكرة “حكومة تنصّبها إيران”، ما يشير إلى أن معارضة ترامب للمالكي مدفوعة جزئيًا بدعم طهران لترشحه.

ومع ذلك، فإن تصوير المالكي بوصفه تابعًا لإيران يبسط دوافعه المعقدة، إذ غالبًا ما تحركه مصالحه السياسية والاقتصادية الخاصة.

وبالنظر إلى نفوذ طهران الواسع في السياسة العراقية، فإن كل رؤساء الوزراء العراقيين نالوا، بدرجات متفاوتة، مباركة إيرانية، ولن يكون القادم استثناءً.

تحرك أميركي متأخر

ورغم أن الولايات المتحدة أوضحت للإطار التنسيقي أنها لن تقبل بحكومة تضم منظمات مصنفة إرهابية، فإن رسائلها لم تُظهر معارضة حازمة لأي مرشح بعينه.

ومع تسارع ترشيح المالكي، بدا الانخراط الأميركي منخفض المستوى وكأنه قبول ضمني بترشحه.

لكن هذا الموقف تغير في اللحظات الأخيرة، مع رسالة أميركية متأخرة إلى قادة الإطار تشير إلى أن تجربة واشنطن مع المالكي في السابق كانت سلبية.

وسواء كان بالإمكان أن تكون الولايات المتحدة أوضح، أو أنها تحركت متأخرة فحسب، فإن الإطار أخطأ في تقدير حجم المعارضة الأميركية، ما نقل الخلاف من الكواليس إلى العلن.

وتصاعدت حدة المواقف الأميركية عبر منشورات وتصريحات متتالية، شملت اتصالات من وزير الخارجية ماركو روبيو في 25 يناير، والمبعوث الخاص إلى سوريا توم باراك في 26 يناير، وتهديدًا حادًا من المبعوث الخاص إلى العراق مارك سافايا، قبل أن يُحذف لاحقًا مع إغلاقه حسابه على منصة “إكس”.

ما الذي سيحدث لاحقًا؟

وقلبت معارضة ترامب العلنية مسار تشكيل الحكومة، وأحرجت المالكي والإطار التنسيقي. ويواجه الإطار خيارًا صعبًا بين التراجع للحفاظ على علاقته مع واشنطن، أو المخاطرة بعواقب سياسية واقتصادية. ورد المالكي متحديًا على “إكس” في 28 يناير، رافضًا التدخل الأميركي ومقدمًا نفسه مدافعًا عن السيادة العراقية، وهو موقف كرره علنًا زملاؤه في الإطار.

ومع ذلك، تشير مؤشرات إلى استمرار المفاوضات خلف الكواليس. وتأجلت جلسة مجلس النواب المقررة في الأول من فبراير، بذريعة الخلاف الكردي على رئاسة الجمهورية، ما يمنح الإطار وقتًا إضافيًا للمناورة، إذ يكلف الرئيس وفق الدستور مرشح رئاسة الوزراء بتشكيل الحكومة.

ويبقى انسحاب المالكي الخيار الأسهل، لكنه قد يكون مكلفًا سياسيًا، وقد يفرض دعم مرشح قريب منه.

أما إذا أصر على البقاء، فقد يسعى الإطار إلى مخارج تحفظ ماء الوجه، كطلب رأي المرجع الأعلى علي السيستاني، أو تمرير الترشيح إلى البرلمان مع توقع رفض السنة والأكراد. غير أن التعويل على الآخرين لعرقلة المالكي يبقى خيارًا محفوفًا بالمخاطر.

عالم متغير

وتتصاعد الرهانات على رئيس الوزراء المقبل، في ظل بيئة دولية وإقليمية مضطربة. وسيتعين على الحكومة المقبلة التعامل مع إدارة أميركية حازمة، ومع تهديدات متزايدة لإيران بضربات أميركية وإسرائيلية، واحتمال امتداد أي تصعيد إلى العراق. كما تواجه بغداد واقعًا سوريًا جديدًا، وقيادة ذات جذور سنية متشددة تثير قلق القيادات الشيعية العراقية.

وعلى الصعيد الداخلي، تنتظر رئيس الوزراء المقبل تحديات جسيمة، من نزع سلاح الميليشيات، إلى أزمة مالية تلوح في الأفق، وصولًا إلى تسوية الخلافات مع إقليم كردستان بشأن النفط والإيرادات.

أما بالنسبة للولايات المتحدة، فإن مصالحها في العراق والمنطقة تظل مرتبطة بعراق مستقر قادر على حماية سيادته من التدخل الإيراني. ويشكل قبول العراق نقل سبعة آلاف معتقل من تنظيم “داعش” من سوريا الشهر الماضي، بطلب أميركي، مثالًا على أهمية الشراكة بين البلدين. ورسالة ترامب الصارمة بشأن المالكي تذكير بأن تجاهل العراق لم يعد خيارًا ممكنًا.

عن الكاتبتين

رند الرحيم زميلة أولى غير مقيمة في مبادرة العراق ببرامج الشرق الأوسط في المجلس الأطلسي، وشغلت منصب أول سفيرة للعراق لدى الولايات المتحدة بين عامي 2003 و2005 بعد سقوط نظام صدام حسين.

فيكتوريا ج. تايلور مديرة مبادرة العراق في برامج الشرق الأوسط بالمجلس الأطلسي، وشغلت مؤخرًا منصب نائبة مساعد وزير الخارجية لشؤون العراق وإيران في مكتب شؤون الشرق الأدنى بوزارة الخارجية الأميركية.

الآراء في التقرير تعبر عن وجهة نظر المصدر ولا تعبر بالضرورة عن رأي المسلة.

 


المسلة – متابعة – وكالات

النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

About Post Author