بغداد/المسلة:
وليد الشبيبي
تناقلت وسائل الإعلام خلال الفترة الماضية ما عُرف بفضيحة جزيرة الكاريبي التي كان يملكها شخص متهم بارتكاب جرائم جسيمة، وقد أثارت هذه القضية تساؤلات واسعة حول طبيعة المحاسبة القضائية، ولا سيما في ظل ما يُثار من أن النظام القضائي في بلده، أي الولايات المتحدة الأمريكية، لا يتعامل دائمًا مع مثل هذه القضايا بموضوعية خالصة، بعيدًا عن التفسيرات السياسية أو المصالح غير القضائية. نحن اليوم بصدد وقائع تكررت أكثر من مرة، وارتُكبت على نحو يشكل جرائم متعددة داخل تلك الجزيرة، الأمر الذي يطرح إشكالية إخضاع هذه الجرائم لسلطة العدالة، سواء على مستوى السلطات التشريعية أو القضائية داخل الولايات المتحدة، أو حتى من حيث إمكانية إحالتها إلى ولاية قضائية دولية.
وتزداد حساسية الموضوع عندما يُطرح اسم رئيس الدولة الأقوى في العالم، دونالد ترامب، في سياق هذه الوقائع، ولا سيما مع تداول صور تُظهره برفقة مجموعة من الفتيات يُعتقد أن عددًا منهن من القاصرات داخل الجزيرة. ومن الناحية القانونية، لا يمكن الجزم أو الإدانة اعتمادًا على الصور أو التسريبات وحدها، إذ إن التحقق من صحتها وتمحيصها وتكييفها القانوني يخضع للأجهزة القضائية والأدلة الجنائية في البلد المعني، أي الولايات المتحدة الأمريكية. إلا أن ما يهم العالم اليوم هو السؤال الجوهري: هل هذا الرئيس مؤهل دستوريًا لقيادة هذا البلد إذا ثبت بالفعل تورطه في ارتكاب عدة جرائم، من بينها جرائم جسيمة كجرائم الاعتداء على القاصرين وغيرها؟
الموضوع يأخذ بُعدين أساسيين؛ الأول داخلي يتعلق بالدستور الأمريكي والقوانين الأمريكية، بما فيها القوانين الجنائية، والثاني دولي يتعلق بالقوانين والمواثيق والإعلانات العالمية، وعلى رأسها منظومة حقوق الإنسان التي أقرتها الأمم المتحدة، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في 10 كانون الأول/ديسمبر 1948.
ومن حيث البعد الدستوري الداخلي، فإن الرئيس الأمريكي لا تسقط صفته أو ولايته تلقائيًا بمجرد ارتكابه جريمة، إذ لا توجد في الدستور الأمريكي آلية تنحية مباشرة للرئيس بسبب الجريمة، وإنما تمر المسألة بعدة مراحل حتى الوصول إلى عزله بشكل نهائي، وبعدها فقط يمكن فتح المساءلة الجنائية وتنفيذ الحكم.
والسؤال هنا: هل حدث ذلك في تاريخ هذه الدولة الحديثة؟ الجواب هو لا، ويُستشهد غالبًا بقضية الرئيس الأسبق بيل كلينتون في تسعينيات القرن الماضي مع سكرتيرته مونيكا، حيث لم تؤدِّ تلك القضية إلى عزله جنائيًا.
الدستور الأمريكي لا يتضمن آلية مباشرة لإقالة الرئيس أو عزله بسبب جريمة، وإنما حدد في المادة الثانية شروط تولي المنصب، وهي أن يكون المرشح قد بلغ 35 سنة من العمر، وأن يكون أمريكي الجنسية بالولادة، ومقيمًا في الولايات المتحدة إقامة متواصلة لمدة لا تقل عن 14 سنة، دون وجود شرط أخلاقي أو جنائي مباشر يتعلق بالترشح أو شغل المنصب. إلا أن الرئيس، من الناحية القانونية، يظل عرضة للعزل السياسي، وبعد عزله أو حتى بعد انتهاء ولايته يمكن ملاحقته جنائيًا. وبذلك فإن الجريمة، إن ثبتت، لا تُسقط المنصب تلقائيًا، كما أن المنصب لا يحمي من العزل بسبب الجريمة.
فإذا تطابقت الوقائع المنسوبة في قضية جزيرة إبستين مع الجرائم التي يجرمها القانون الأمريكي الفيدرالي، فإننا نكون أمام مجموعة من الجرائم الخطيرة، في مقدمتها الاتجار بالبشر، والاستغلال الجنسي للأطفال، والاغتصاب الجنسي القسري، سواء وقع على قاصر أو بالغ، إضافة إلى التآمر الجنائي، ونقل القاصرين عبر الولايات أو الحدود لأغراض جنسية، وهي جرائم لا تقبلها أي سلطة أو أي قانون وضعي، وتصل عقوباتها في القانون الفيدرالي الأمريكي إلى السجن المؤبد.
وعلى الصعيد الدولي، فإن ثبوت هذه الوقائع، سواء داخل الأراضي الأمريكية أو خارجها، يعني أن الرئيس الأمريكي يكون قد انتهك عددًا من الاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها الولايات المتحدة، وفي مقدمتها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ولا سيما المادتين الثالثة والخامسة، واتفاقية حقوق الطفل والبروتوكولات الخاصة بمكافحة الاستغلال الجنسي، وبروتوكول باليرمو لمكافحة الاتجار بالبشر، واتفاقية مناهضة التعذيب فيما يتعلق بالاعتداءات الجنسية، فضلًا عن العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1966، النافذ عام 1976، فيما يخص انتهاك الكرامة الإنسانية.
أما الآلية الدستورية لعزل الرئيس الأمريكي، فهي تمر بثلاث مراحل إذا ثبتت التهمة صحيحة. تبدأ بمرحلة الاتهام أمام مجلس النواب بأغلبية بسيطة، استنادًا إلى المادة الثانية الفقرة الرابعة من الدستور، في حالات الخيانة أو الرشوة أو الجرائم والجنح الكبرى، والمقصود بهذه الأخيرة ليس الجرائم الجنائية فقط، بل كل سلوك يهدم الثقة العامة أو يقوض النظام الدستوري. ثم تأتي مرحلة المحاكمة أمام مجلس الشيوخ برئاسة رئيس المحكمة العليا، حيث تتطلب الإدانة أغلبية الثلثين، وبعد تحقق هذا النصاب نصل إلى المرحلة الثالثة، وهي العزل، حيث يُعزل الرئيس فورًا ويُحرم من تولي أي منصب اتحادي مستقبلي، ثم يُحال إلى القضاء الجنائي العادي ليُحاكم وفق القوانين والإجراءات المعتمدة، دون أي صفة أو حصانة أو امتياز.
والفرق الجوهري بين ما يُعرف بفضيحة كلينتون وقضية جزيرة إبستين يكمن في أن الأولى كانت علاقة رضائية بين طرفين بالغين وانتهت بمساءلة سياسية وأخلاقية بسبب الكذب تحت القسم دون إدانة جنائية، بينما تتعلق الثانية، إذا ثبتت، بجرائم ضد القاصرين، تشمل الاغتصاب والاتجار والاستغلال الجنسي، وهي جرائم لا يمكن تصنيفها ضمن الإطار الأخلاقي أو السياسي فقط، بل ضمن الجرائم اللاإنسانية الخطيرة.
والخلاصة أن الرئيس الأمريكي لا يمكن عزله بشكل مباشر أو تلقائي، بل عبر مراحل دستورية محددة، وأن شرط العزل الأساسي هو ثبوت التهم بأدلة قضائية رسمية معترف بها في النظام القانوني الأمريكي، يليها التصويت في الكونغرس والمحاكمة أمام مجلس الشيوخ. وحتى الآن، لم تصدر أي جهة قضائية أمريكية قرارًا رسميًا يدين الرئيس أو يثبت تلك التهم، وما جرى تداوله لا يزال في إطار التسريبات والصور غير المحسومة قضائيًا.
غير أن ذلك لا يلغي حقيقة أن النظام الدولي المعاصر تحكمه القوة أكثر مما يحكمه القانون، وأن ما يُرفع من شعارات حقوق الإنسان والطفل والمرأة ليس سوى أدوات تُستخدمها الدول الكبرى للهيمنة على دول أخرى، في حين تمارس هي ذاتها أخطر الانتهاكات دون مساءلة، وهو ما يعكس بوضوح ازدواجية المعايير والنفاق الدولي، ويؤكد أن ما يُسمّى بالقانون الدولي وقيم العدالة العالمية لم يعد سوى خطاب يُستخدم انتقائيًا وفق المصالح.
أما فيما يخص شخص الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب، فإن ما لحقه من عار أخلاقي مسّ شخصه على نحو مباشر، وسيظل يلاحقه على مدى الأجيال القادمة، على غرار المثال القريب المتمثل بالعار الذي لحق بالرئيس الأسبق بيل كلينتون في قضيته مع سكرتيرته مونيكا، غير أن العار والانتهاكات المنسوبة إلى الرئيس الحالي ترامب، إن ثبتت، تبدو أعمق وأخطر أثرًا، لا سيما إذا أُضيف إليها انفلاته المعروف سلوكيًا ولفظيًا في مناسبات متعددة، وما صدر عنه في تعامله مع رئيس فنزويلا، بما يؤكد نمط البلطجة الشخصية والمؤسساتية التي يمارسها، ويمارسها بلده، على مرأى ومسمع من العالم.
المسلة – متابعة – وكالات
النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

أخبار ذات علاقة
الحرس الثوري الإيراني يطلق مناورات عسكرية في مضيق هرمز
رئيس الوزراء يوجه بتنفيذ قرارات تعظيم الإيرادات وترشيد النفقات
نزيف الدولار الأسود: أزمة السيولة تهدد بوقف محركات الإنتاج في حقول النفط