المسلة

المسلة الحدث كما حدث

المتآلفون

المتآلفون

23 ماي، 2026

بغداد/المسلة: رياض الفرطوسي

في أدبيات علم الاجتماع، ثمة خيط رفيع يفصل بين “السكينة” وبين “التعود”. يرى الفيلسوف الإسكتلندي ديفيد هيوم أن العادة هي المرشد العظيم لحياة البشر، لكن هذه العادة نفسها قد تتحول إلى قيد غير مرئي حين يألف الإنسان العيش في الظل طويلاً، لدرجة أن الضوء المفاجئ قد يؤذي عينيه. هذا ما يمكن تسميته “الإنسان المتآلف”، الذي يرى في استمرار الحال (على علاته)مكسباً وحيداً، خوفاً من مجهول قد يكون أقسى.

إن هذا التآلف مع المشهد العام ليس وليد اللحظة، بل هو نتاج تراكمي. فحين تغيب الحلول الجذرية، يبدأ المرء بتطوير “آليات دفاعية” نفسية؛ فينشغل بالتفاصيل الصغيرة جداً ليهرب من الأسئلة الكبرى. يصبح إصلاح إنارة في شارع أو فتح زقاق مغلق بمثابة إنجاز تاريخي يحتفل به، ليس لأنه ساذج، بل لأن عقله الباطن يحاول إيجاد “جزيرة استقرار” وسط بحر من القضايا المعلقة التي استعصت على الحل لسنوات.

بالنظر إلى واقعنا الذي يراوح مكانه، نجد أننا نعيش حالة من “الانتظار المزمن”. فمنذ عقود، ومع كل دورة انتخابية، يتكرر المشهد ذاته: ساعات تتوقف، ومفاوضات تمتد خلف الستائر، وشوارع تترقب. وفي هذا الفراغ، ينقسم الناس إلى فئتين؛ فئة تأمل بالتغيير، وفئة “المتآلفين” الذين يخشون حتى من الأمل، لأن الأمل يقتضي الحركة، والحركة قد تخدش هذا السكون الهش الذي اعتادوا عليه.

هذا النوع من السكون هو ما يغذي حالة الركود السياسي. فالجمود في تشكيل الحكومات أو تكرار الأزمات ذاتها منذ سنوات طويلة، لا يستمر فقط بسبب تعقيدات السياسة، بل لأن هناك قاعدة عريضة من الناس باتت تكتفي بـ “السلامة” كبديل عن “الإنجاز”. لقد تحول “الاستقرار” من كونه قاعدة للانطلاق نحو البناء، إلى كونه هدفاً بحد ذاته، حتى لو كان استقراراً على رمال متحركة.

إن الخطورة تكمن في أن يتحول المجتمع إلى مجموعة من الأفراد الذين يعيشون “انفصالاً شعورياً”؛ حيث يمارسون طقوس حياتهم اليومية بآلية مفرطة، ويتجنبون الربط بين غياب القرار السياسي وبين جودة حياتهم، تماماً كمن يعيش في بيت تتسرب منه المياه، لكنه يكتفي بوضع وعاء تحت القطرات بدلاً من إصلاح السقف، خوفاً من تكلفة الإصلاح أو ضجيجه.

في نهاية المطاف، إن أقصى ما يطمح إليه “المتآلف” هو أن تمر عواصف السياسة دون أن تقتلع نافذته. لكن الحقيقة التي يؤكدها التاريخ هي أن الأبنية التي لا تُرمم أعمدتها، لا يحميها السكون من السقوط. إن التحدي الحقيقي اليوم ليس في اختيار وجوه جديدة فحسب، بل في استعادة تلك الرغبة الجماعية في أن نكون شركاء في صناعة المصير، بدلاً من أن نظل “سكان انتظار” في محطة لا تصل إليها القطارات.

 

 


المسلة – متابعة – وكالات

النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

About Post Author