المسلة

المسلة الحدث كما حدث

هل حررتنا الحداثة أم استعبدتنا؟

هل حررتنا الحداثة أم استعبدتنا؟

9 غشت، 2026

بغداد/المسلة:

الحلقة الأولى: قفص الخيارات

رياض الفرطوسي

نستيقظ كل صباح لنواجه طوفاناً من القرارات: أي نمط حياة نختار، أي هاتف نقتني، وأي واجهة رقمية نطل منها على العالم. نطلق على هذه المتاهة اليومية مسمى “الحرية الشخصية”، لكننا نادراً ما نتوقف لنسأل: هل نمتلك حقاً هذه الخيارات، أم أن الخيارات هي التي تمتلكنا؟

تعتمد الحداثة الرأسمالية على مقايضة خفية؛ تمنحك وفرة في الأشكال والمظاهر، مقابل سلبك السيطرة على الغايات. إنها تحقق ما أسماه الفيلسوف إشعيا برلين بـ “الحرية السلبية” ( أي غياب العوائق الظاهرة أمام حركة الشراء والاستهلاك ) بينما تجهض تماماً “الحرية الإيجابية”، وهي قدرة الإنسان على امتلاك زمام نفسه والاستغناء عما لا يحتاجه. نحن أحرار في الاختيار داخل السوبرماركت الكبير، لكننا لسنا أحراراً في التفكير بخيار الخروج منه.

هذا الترف المادي الظاهري يقابله إفلاس روحي غير مسبوق. تشير تقارير منظمة الصحة العالمية إلى ارتفاع حاد في معدلات القلق والاكتئاب عالمياً، في ظاهرة يفسرها عالم الاجتماع زيجمونت باومان بانهيار الروابط الصلبة وتحول الإنسان إلى مجرد وحدة استهلاكية عابرة. لقد تحول الاستهلاك من وسيلة لتلبية الحاجة إلى طقس تعويضي لردم الفراغ الوجودي؛ نشتري لنشعر بوجودنا، ونطلب “الإعجابات” لنستمد قيمتنا.

المخرج الفكري يكمن في استعادة المفهوم الأصيل للحرية كما عرفته التقاليد الفلسفية والروحية الكبرى: الحرية ليست قدرتك على التملك، بل قدرتك على الاستغناء. الحرية هي ألا تستمد تعريف ذاتك من سوق السلع، بل من حصنك الأخلاقي الداخلي.

في الحلقة القادمة: سنفكك العقيدة الخفية التي تُحرّك هذه العجلة الاستهلاكية، ونكشف كيف تحولت التكنولوجيا من أداة لخدمة الإنسان إلى “دين جديد” يُقاس فيه التقدم بإنهاك الذات واحتراقها النفسي.


المسلة – متابعة – وكالات

النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

About Post Author