المسلة

المسلة الحدث كما حدث

حين يتحول المنصب إلى غنيمة

حين يتحول المنصب إلى غنيمة

20 غشت، 2026

بغداد/المسلة:

محمد الكعبي

لا تُقاس خسائر الدول بعدد ما يُسرق من خزائنها، بل بعدد الأحلام التي تُسرق من شعوبها، فكل دينار يُنهب من المالالعام يعني مدرسة لم تُبنَ، ومستشفى لم يكتمل، وطريقا بقي محفوفا بالموت، وفرصة عمل ضاعت، وطفلا حُرم منمستقبل أفضل.

إن أخطر أنواع اللصوص ليس ذلك الذي يتسلل ليلا إلى بيت، وإنما الذي يدخل إلى الدولة عبر صندوق الاقتراع أوبوابة التعيين، ثم يغادرها محملًا بثروات صنعتها معاناة الناس. فسرقة المسؤول ليست سرقة مال فحسب، بلسرقة للثقة، وهي الجريمة التي تقتل إيمان المواطن بالدولة والقانون والعدالة.

وليس الفساد حادثة عابرة، بل نتيجة طبيعية عندما يضعف الضمير، ويغيب الردع، ويتحول المنصب إلى امتيازشخصي بدل أن يكون تكليفا وواجبا. فحين يشعر المسؤول أن لا رقيب يحاسبه، وأن القانون يُطبق على الضعفاءفقط، يصبح المال العام في نظره غنيمة مباحة.

ويغذي هذا الانحراف الطمع الذي لا يعرف حدودا. فكثير من الفاسدين لم يسرقوا لأنهم فقراء، بل لأن الجشع لايشبع. فكلما تضخمت الثروة تضخم معها الطمع، حتى يصبح الوطن كله مشروعا استثماريا خاصا، وتتحول الوزاراتإلى مزارع، والمؤسسات إلى إقطاعيات، والمناصب إلى صفقات.

وتزداد الكارثة عندما تُمنح المناصب بالمحسوبية والولاءات لا بالكفاءة والنزاهة. فالمسؤول الذي يصل بفضل النفوذيشعر في الغالب أن ولاءه لمن جاء به، لا للشعب ولا للقانون، فيبدأ بسداد “ديون المنصب” على حساب المال العام.

ومن أخطر مظاهر الانحدار أن يصبح الفساد أمرا مألوفا، وأن يُنظر إلى المسؤول النزيه باعتباره استثناءً، بينما يُعاملالفاسد وكأنه رجل “ذكي” عرف كيف يستغل الفرصة. عندها لا تكون المشكلة في أشخاص فاسدين، بل في ثقافة تبررالفساد وتتعايش معه.

والإسلام يقف على النقيض تماما من هذه الثقافة؛ إذ جعل الولاية أمانة لا مغنما. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّواالْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾، وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾. وقال رسول الله ﷺ: «من استعملناه علىعمل فرزقناه رزقًا، فما أخذ بعد ذلك فهو غلول».

وقد جسّد الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) هذه المبادئ عمليا، فلم يجعل للمسؤول حصانة أمام الحق، بلكتب إلى الأشعث بن قيس: «وَإِنَّ عَمَلَكَ لَيْسَ لَكَ بِطُعْمَةٍ، وَلَكِنَّهُ فِي عُنُقِكَ أَمَانَةٌ». وحذّر زياد بن أبيه من خيانة المالالعام بقوله: «لَئِنْ بَلَغَنِي أَنَّكَ خُنْتَ مِنْ فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ شَيْئا صَغِيرا أَوْ كَبِيرا، لَأَشُدَّنَّ عَلَيْكَ شَدَّةً…»، كما أوصى مالكالأشتر بألا يولي أحدا محاباةً أو أثرة، لأنهما أصل الجور والخيانة.

ولم يكن ذلك مجرد وعظ، بل سياسة دولة. فقد عزل الإمام علي (عليه السلام) كل من ثبتت خيانته، ولم يسمح بأنيكون المنصب درعًا يحمي الفاسدين أو جسرا يعبرون عليه إلى ثروات الأمة.

إن الأمم لا تنهار لأن مواردها قليلة، بل لأنها تقع في قبضة مسؤولين يرون الدولة شركة خاصة، والشعب مجرد مموللنفقات رفاهيتهم. وحين يصبح المنصب طريقا للثراء، لا للخدمة، تتحول الخيانة إلى نظام، ويصبح الفساد هوالقاعدة لا الاستثناء.

إن مكافحة الفساد لا تبدأ بإلقاء الخطب، بل بإقامة دولة يكون فيها القانون أقوى من المسؤول، والقضاء أقوى منالنفوذ، والرقابة أقوى من المصالح، ويكون المال العام خطًا أحمر لا يجرؤ أحد على تجاوزه. فالأوطان لا تبنىبالشعارات، وإنما تبنى بالنزاهة والعدل، وتسقط يوم يصبح السارق مسؤولًا، ويصبح الشريف غريبا في وطنه.


المسلة – متابعة – وكالات

النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

About Post Author