بغداد/المسلة:
ضياء واجد المهندس
تداعيات الحرب الأمريكية ـ الإيرانية على العراق: قراءة سياسية واقتصادية واجتماعية وبيئية
تمثل الحرب الأمريكية ـ الإيرانية تحدياً استراتيجياً للعراق، نظراً لموقعه الجغرافي، واعتماده المرتفع على الإيرادات النفطية، وارتباط قطاع الطاقة والتجارة فيه بالبيئة الإقليمية. ورغم أن العراق ليس طرفاً مباشراً في الحرب، فإن تداعياتها تنعكس بصورة مباشرة على الاستقرار السياسي والمالي والاقتصادي والاجتماعي والبيئي.
أولاً: التداعيات السياسية والأمنية
تضع الحرب العراق أمام معادلة دقيقة بين الحفاظ على علاقاته مع الولايات المتحدة، وإدارة علاقاته السياسية والاقتصادية والأمنية مع إيران. كما أن وجود فصائل مسلحة ذات ارتباطات إقليمية يزيد من احتمالية تعرض الأراضي العراقية لتبادل الضربات أو استخدامها كساحة للصراع.
ومن ثم، فإن أبرز متطلبات المرحلة يتمثل في حصر قرار الحرب والسلم بيد الدولة، وتعزيز سيادة القانون، ومنع استخدام الأراضي العراقية منصةً لاستهداف أي طرف إقليمي أو دولي.
ثانياً: التداعيات المالية والاقتصادية
تكمن أكبر نقاط ضعف الاقتصاد العراقي في اعتماده الكبير على النفط؛ إذ تمثل الإيرادات النفطية أكثر من 90% من الإيرادات الحكومية.
وخلال الأشهر الأربعة الأولى من عام 2026، بلغت الإيرادات نحو 31.16 تريليون دينار، مقابل إنفاق يقارب 37.84 تريليون دينار، بعجز يناهز 6.67 تريليون دينار.
ويؤدي اضطراب حركة تصدير النفط، ولاسيما نتيجة المخاطر المرتبطة بمضيق هرمز، إلى تقليص التدفقات المالية، وزيادة الحاجة إلى الاقتراض أو استخدام الاحتياطيات، الأمر الذي يرفع مخاطر الدين ويضغط على الإنفاق الاستثماري.
وعليه، فإن استمرار الحرب قد يحول الموازنة تدريجياً من أداة للتنمية إلى أداة لتمويل النفقات التشغيلية والرواتب.
ثالثاً: الطاقة والكهرباء
يشكل اعتماد العراق على استيراد الغاز والكهرباء من إيران أحد أبرز مواطن الضعف الاستراتيجي.
وفي حال استمرار الحرب أو تعطل الإمدادات، قد تتعرض منظومة الكهرباء لضغوط إضافية، خصوصاً خلال فصل الصيف، ما ينعكس على الإنتاج الصناعي والزراعي، والخدمات الصحية، ومستوى معيشة المواطنين.
وتبرز هنا ضرورة الإسراع في استثمار الغاز المصاحب، وتطوير مصادر الطاقة المحلية، وتنويع مصادر استيراد الطاقة، والتوسع في الطاقة الشمسية.
رابعاً: التداعيات الاجتماعية
يؤدي ارتفاع أسعار الطاقة والنقل والغذاء، إلى جانب احتمال انخفاض الاستثمار وفرص العمل، إلى زيادة الضغوط على الأسر العراقية.
وتزداد المخاطر الاجتماعية عندما تتزامن الأزمة الاقتصادية مع ارتفاع البطالة وضعف الخدمات، الأمر الذي قد يؤدي إلى ارتفاع معدلات الفقر والاحتجاجات الاجتماعية وتراجع الثقة بالمؤسسات العامة.
لذلك ينبغي أن تركز السياسة المالية خلال الأزمة على حماية الفئات الأكثر هشاشة، وضمان استمرارية الرواتب والخدمات الأساسية، مع تجنب الإجراءات التي تزيد العبء على محدودي الدخل.
خامساً: الأمن الغذائي
يعتمد العراق جزئياً على استيراد الغذاء، ولذلك فإن ارتفاع تكاليف النقل والطاقة والأسمدة نتيجة اضطراب التجارة الدولية قد يؤدي إلى زيادة أسعار المواد الغذائية.
وتقدر احتياجات العراق من استيراد القمح لموسم 2025/2026 بنحو 2.4 مليون طن، ما يؤكد أهمية تعزيز الإنتاج الزراعي المحلي وبناء مخزونات استراتيجية من الحبوب والمواد الغذائية الأساسية.
سادساً: التداعيات البيئية
قد يؤدي استهداف المنشآت النفطية أو استمرار العمليات العسكرية إلى زيادة تلوث الهواء والمياه والتربة، فضلاً عن ارتفاع مخاطر التسربات النفطية والانبعاثات السامة.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في العراق الذي يعاني أصلاً من التصحر، وشح المياه، والعواصف الترابية، وحرق الغاز والتلوث الصناعي.
وبالنتيجة تكشف الحرب الأمريكية ـ الإيرانية هشاشة النموذج الاقتصادي العراقي القائم على الاعتماد المرتفع على النفط والإنفاق التشغيلي، كما تكشف الحاجة إلى بناء اقتصاد أكثر تنوعاً وقدرة على مواجهة الصدمات الخارجية.
ولذلك فإن الاستجابة العراقية لا ينبغي أن تقتصر على إدارة الأزمة الحالية، بل يجب أن تتحول إلى مشروع إصلاح وطني طويل الأمد يقوم على:
تنويع مصادر الإيرادات.
استثمار الغاز وإيقاف حرقه.
تطوير الزراعة والصناعة.
حماية الاحتياطيات النقدية.
ضبط الاقتراض والدين العام.
تطوير مصادر الطاقة البديلة.
تعزيز الأمن الغذائي.
حماية البيئة.
حصر قرار الحرب والسلم بيد الدولة.
إن الخطر الأكبر على العراق ليس الحرب وحدها، بل استمرار النموذج الاقتصادي الذي يجعل أي أزمة إقليمية تتحول مباشرة إلى أزمة في الموازنة، وسعر الدولار، والكهرباء، والغذاء، وفرص العمل.
ومن هنا، فإن الدرس الاستراتيجي الأهم هو أن تنويع الاقتصاد وتعزيز سيادة الدولة لم يعودا خياراً إصلاحياً، بل أصبحا ضرورة للأمن الوطني العراقي.
المسلة – متابعة – وكالات
النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

أخبار ذات علاقة
الزيدي: لا نوايا أو احتمالات لتصادم عسكري بشأن نزع السلاح.. والرواتب مؤمنة
واشنطن تحاصر طهران.. والعراق في مرمى العقوبات بسبب التجارة والكهرباء؟
استبدال العملة العراقية .. هل يحوّل أموال الفساد المكتنزة إلى رماد؟