بغداد/المسلة: تجد بغداد نفسها اليوم أمام أحد أكثر المنعطفات الاقتصادية تعقيداً في تاريخها الحديث، وسط موجة عقوبات أميركية جديدة وصفتها واشنطن بأنها “عملية المنبوذ الاقتصادي” التي تستهدف إيران بشكل غير مسبوق، وتوسع نطاقها ليشمل قطاعات التكنولوجيا والأصول الرقمية والذهب والشحن، فضلاً عن إدراج عشرات الأفراد والكيانات والسفن المرتبطة بشبكات النفط والتمويل العسكري الإيراني.
هذه الخطوة التي أعلنت عنها وزارة الخزانة الأميركية الاثنين الماضي، لم تكن مجرد حلقة جديدة في سلسلة الضغوط على طهران، بل حملت تحذيراً صريحاً للدول والشركات والمؤسسات المالية التي لا تزال تتعامل مع القطاعات الإيرانية المستهدفة، بأنها قد تواجه عقوبات ثانوية وقيوداً على الوصول إلى النظام المالي القائم على الدولار، وهو ما يعني أن العراق الذي تجاوز حجم تجارته مع إيران عتبة العشرة مليارات دولار العام الماضي، أصبح في مرمى النيران الأميركية بشكل مباشر.
ليس سراً أن بغداد تعتمد بشكل حيوي على الغاز الإيراني لتشغيل محطات الكهرباء، بقيمة مدفوعات سنوية تتراوح بين أربعة وخمسة مليارات دولار، كما أن العلاقات التجارية والمصرفية بين البلدين تمتد إلى مجالات أوسع، مع وجود أموال عراقية في المصارف الإيرانية وحركة تبادل تجاري يقدرها بعض المسؤولين العراقيين بنحو ثلاثين مليار دولار، مما يجعل أي تشديد أميركي على العقوبات أشبه بسيف مسلط على الاقتصاد العراقي الهش أصلاً.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة الآن: هل تملك بغداد هامشاً للمناورة في وجه هذا الضغط المتصاعد؟ يرى مراقبون أن الإدارة الأميركية تركت الباب موارباً أمام العراق للحصول على استثناءات، خصوصاً في ملفي الغاز والكهرباء، شريطة أن تثبت الحكومة العراقية جديتها في الالتزام بالقنوات الرسمية والنظام المصرفي الدولي، والابتعاد عن شبكات الظل ، والتي كانت واشنطن قد كشفت عن شبكات منها في السابع من آب الجاري تمتد عبر عدة دول وتنقل مئات الملايين من الدولارات لصالح طهران.
في هذا السياق، يبدو أن العراق بدأ بالفعل التحرك على أكثر من صعيد، إذ أجرى اتصالات دبلوماسية مكثفة مع الجانب الأميركي لضمان استمرار الإعفاءات المتعلقة باستيراد الطاقة، فيما تواصلت الجهود مع طهران لتأمين عبور ناقلات النفط العراقية عبر مضيق هرمز الذي شهد تراجعاً حاداً في حركة الملاحة خلال أغسطس الجاري، حيث لم يتجاوز عدد السفن العابرة عشرين سفينة خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضية، مقارنة بالمستويات الطبيعية قبل الحرب التي اندلعت في شباط الماضي.
لكن الأزمة لا تقف عند حدود الطاقة والتجارة، فالقطاع المصرفي العراقي يعد الحلقة الأضعف في هذه المعادلة، إذ سبق لواشنطن أن شددت رقابتها على التحويلات بالدولار ومنعت أكثر من مصرف عراقي من الوصول إلى العملة الأميركية بسبب شبهات تتعلق بتمويل شبكات مرتبطة بإيران وغسل الأموال، والجديد في العقوبات الأخيرة أن الخزانة الأميركية حذرت المؤسسات المالية الأجنبية التي تسهل معاملات كبيرة لحساب جهات إيرانية خاضعة للعقوبات بأنها قد تواجه قيوداً على علاقاتها المصرفية مع الولايات المتحدة، مما يعني أن المصارف العراقية قد تجد نفسها معزولة تدريجياً عن النظام المالي العالمي إذا استمرت في التعامل مع الأطراف الإيرانية المستهدفة.
لكن طهران، التي تعتبر العقوبات الأميركية عدواناً اقتصادياً غير قانوني، تبدو غير مستعدة للتخلي عن نفوذها الاقتصادي في العراق، وتؤكد أنها حريصة على مصالح جارها الغربي، معتمدة في الوقت نفسه على تعزيز علاقاتها مع الصين وروسيا والاستفادة من عضويتها في منظمتي شنغهاي وبريكس، لكن هذا الرهان الإيراني لا يوفر للعراق بديلاً سحرياً عن الغاز الإيراني أو عن الدولار، خاصة أن البدائل المقترحة مثل المنصات العائمة لاستيراد الغاز أو الربط الكهربائي مع الدول المجاورة، لا تزال تراوح مكانها بسبب التحديات التنفيذية والمالية والفنية.
بين هذا وذاك، يجد العراق نفسه في مأزق حقيقي، فالتزامه بالعقوبات قد يكلفه أزمة كهرباء خانقة واضطراباً في التجارة والتحويلات المالية، في حين أن مخالفتها قد تعرضه لعقوبات أميركية مباشرة تفقده قدرته على التعامل بالدولار، وهو ما يدفع بغداد إلى البحث عن حلول وسط، قد تكون بدأت بالفعل في التبلور عبر دراسة مسارات بديلة لصادراتها النفطية عبر ميناء جيهان التركي ومسارات أخرى في سوريا والأردن، لكن هذه المشاريع تحتاج إلى سنوات واستثمارات ضخمة، وهو ما لا يتوفر في ظل الأزمة الراهنة.
المسلة – متابعة – وكالات
النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.
المسلة – متابعة – وكالات
النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

أخبار ذات علاقة
الناطق باسم القائد العام: انسحاب قوات التحالف الدولي يسير بوتيرة متسارعة
القضاء يلغي الأمر الولائي الخاص بشركة كورك ويُبقي قرار هيأة الإعلام بإيقاف العمل مع الشركة قائماً
رصد الميديا: نفي رسمي لضرائب المولدات و استمرار تجهيز الوقود.. و تحذيرات أميركية من الاعتماد على طهران