المسلة

المسلة الحدث كما حدث

رصد الميديا: تحذيرات كردية من ربط نزع السلاح بالبيشمركة.. والتظاهرات تضع الحكومة تحت الضغط

رصد الميديا: تحذيرات كردية من ربط نزع السلاح بالبيشمركة.. والتظاهرات تضع الحكومة تحت الضغط

31 أغسطس، 2026

بغداد/المسلة: يبدو أن العراق يدخل نهاية صيف 2026 وهو يحمل ثلاث أزمات متجاورة يصعب فصل إحداها عن الأخرى: سلاح خارج السيطرة الكاملة للدولة، فساد يختبر جدية القضاء، واقتصاد يعتمد على النفط في وقت يضغط فيه اضطراب مضيق هرمز على منافذ التصدير والإنفاق العام. وبينما تحاول الحكومة تقديم هذه الملفات بوصفها مسارات منفصلة، فإن تزامنها يجعلها في الواقع اختباراً واحداً لمدى قدرة الدولة على إنتاج قرار نافذ وليس مجرد خطاب سياسي.

في قلب المشهد يقف تاريخ 30 أيلول، الذي تحول خلال الأيام الأخيرة من موعد يُفهم على أنه سقف زمني لحصر السلاح إلى محطة سياسية وأمنية أكثر تعقيداً. فالحكومة ما زالت تؤكد أن هذا التاريخ يمثل نهاية مهمة التحالف الدولي، فيما باتت تصريحات مسؤولين عراقيين تتحدث عن استمرار عملية تنظيم السلاح وحصره بيد الدولة بصورة تدريجية بعد ذلك الموعد. وتؤكد مصادر عراقية أن المفاوضات مع الفصائل مستمرة، وأن بعض الأسلحة جرى إدخالها في عمليات جرد ونقل إلى مخازن مخصصة، مع إنشاء قاعدة بيانات للعناصر المسلحة.

هذا التحول في توصيف 30 أيلول هو أكثر ما يثير الجدل السياسي والإعلامي. فالمشكلة لم تعد في الاعتراف بمبدأ حصر السلاح بيد الدولة، إذ بات هذا المبدأ يحظى بإسناد سياسي أوسع، وإنما في السؤال الأصعب: متى وكيف ومن يقرر أن السلاح أصبح فعلاً تحت سلطة الدولة؟ ويكتسب هذا السؤال حساسية أكبر مع طرح بعض القوى السياسية فكرة “إدارة السلاح” بدلاً من “نزع السلاح”، وربط أطراف مسلحة الملف بانسحاب القوات الأجنبية، في حين تصر بغداد على أن قرار الحرب والسلم واستخدام القوة يجب أن يكون بيد المؤسسات الاتحادية.

وفي هذا السياق، يكتسب موقف نائب رئيس مجلس النواب فرهاد أمين أتروشي أهمية سياسية إضافية، بعدما وصف حصر السلاح بيد الدولة بأنه مفتاح لعلاقات العراق الخارجية، محذراً في الوقت نفسه من إدخال ملف البيشمركة في النقاش باعتباره “خلطاً للأوراق”. ويكشف هذا الموقف عن حساسية أخرى في الملف، إذ إن أي محاولة لتوسيع النقاش من السلاح غير المنضبط إلى بنية المؤسسات الأمنية والعسكرية في إقليم كردستان قد تحول قضية يفترض أن تكون متعلقة بسلطة الدولة الاتحادية إلى نزاع أوسع حول شكل الدولة وتوزيع الصلاحيات.

لكن السلاح ليس وحده الذي يختبر قدرة الحكومة على فرض خطابها. فملف مكافحة الفساد دخل هو الآخر مرحلة الأرقام والأحكام، بعدما صدر حكمان بالسجن سبع سنوات بحق النائب السابق طلال الزوبعي ووكيل وزارة النفط السابق علي معارج البهادلي في قضيتين تتعلقان بتضخم الأموال والكسب غير المشروع. وألزمت الأحكام الزوبعي برد وغرامة تصلان في مجموعهما إلى نحو 70 مليار دينار، فيما بلغت الالتزامات المالية بحق البهادلي نحو 53 مليار دينار.

وتمنح هذه الأرقام الحكومة مادة قوية لخطاب الردع، لكنها في الوقت نفسه تفتح سؤالاً أكثر إحراجاً من الحكم نفسه: هل تتحول مكافحة الفساد إلى سياسة مستمرة تطال الشبكات ومراكز النفوذ، أم تبقى سلسلة من الأحكام الفردية التي تنتهي عند أسماء محددة؟ فالمجتمع العراقي لا يقيس مكافحة الفساد بعدد سنوات السجن فقط، بل بما يعود فعلياً إلى الخزينة وبمدى وصول التحقيقات إلى المستويات التي صنعت بيئة الفساد، وهي نقطة تجعل ملف الاسترداد المالي أكثر أهمية من مجرد إعلان الأحكام.

ويأتي الاقتصاد ليضع الحكومة أمام اختبار مختلف. فمضيق هرمز لم يعد قضية جيوسياسية بعيدة عن بغداد، بل أصبح عاملاً مباشراً في حسابات النفط والسيولة والموازنة. وقد حذر المستشار الاقتصادي والمالي لرئيس الوزراء مظهر محمد صالح من أن موازنة 2027 ستكون من أصعب الموازنات، مشيراً إلى أن المشروعات والخطط الاستثمارية ستبقى معلقة ما لم تتضح أزمة هرمز وتستأنف صادرات النفط بكامل طاقتها. وفي المقابل، تقول الحكومة إن الرواتب والأجور والمعاشات والرعاية الاجتماعية والنفقات الأساسية ستبقى في مقدمة الأولويات، وإن الرواتب مؤمنة حتى نهاية عام 2026.

وهنا تتقاطع الملفات الثلاثة بصورة أكثر وضوحاً. فالدولة التي تريد احتكار السلاح تحتاج إلى موارد لتمويل مؤسساتها الأمنية، والدولة التي تريد محاربة الفساد تحتاج إلى جهاز قضائي ورقابي قادر على استرداد الأموال، والدولة التي تريد حماية الرواتب والاستثمار تحتاج إلى تدفق نفطي مستقر. ولذلك فإن السلاح والفساد والنفط ليست ثلاث قصص منفصلة، بل ثلاث صور لشيء واحد: قدرة الدولة العراقية على التحكم بالقرار والمال والموارد.

حتى الاحتجاجات المحدودة تعكس هذا الضغط. فقد نظم موظفون في جامعة البصرة وقفة أمام رئاسة الجامعة للمطالبة بصرف رواتب متأخرة وإنجاز العلاوات والترفيعات، في مؤشر صغير لكنه دال على أن الأزمة المالية لا تبقى داخل جداول الموازنة، بل تصل إلى الحياة اليومية للموظف.

ومع ذلك، لا تشير المعطيات المتاحة إلى موجة احتجاج وطنية واسعة أو حملة رقمية منظمة يمكن نسبتها إلى جهة واحدة. التداول يبدو أقرب إلى خليط من الاستقطاب السياسي والغضب الشعبي والقلق الاقتصادي. وفي ملف السلاح تحديداً، تتجاور روايتان متناقضتان: الأولى ترى في التدرج وسيلة لتجنب الصدام وتثبيت سلطة الدولة، والثانية تعتبر التدرج اسماً آخر للتراجع عن مهلة سبق أن قُدمت للرأي العام باعتبارها فاصلة.

 


المسلة – متابعة – وكالات

النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

About Post Author