المسلة

المسلة الحدث كما حدث

عشرات الآلاف من المتابعين للبيع.. تجارة صامتة تزدهر خلف شاشات الهاتف

عشرات الآلاف من المتابعين للبيع.. تجارة صامتة تزدهر خلف شاشات الهاتف

29 سبتمبر، 2026

بغداد/المسلة: في مجموعات مغلقة وتطبيقات للمراسلة وإعلانات لا تعيش طويلا، تظهر عروض بيع حسابات التواصل الاجتماعي كما لو أنها سلع رقمية عادية.

حساب قديم، صفحة تحمل اسما مألوفا، جمهور عراقي أو خليجي، متابعون حقيقيون، وتفاعل مضمون، عبارات تكفي لجذب مشتر يريد اختصار سنوات من بناء الحضور على الإنترنت في صفقة واحدة.

لكن ما يبدو سوقا صغيرة لبيع المتابعين يخفي ظاهرة أوسع يصعب قياسها من خلال عدد الإعلانات وحده.

فالحساب المعروض قد يكون مملوكا لصاحبه فعلا، وقد يكون مسروقا أو مستعادا بعد اختراق، وقد يكون حسابا نشأ أساسا ليتحول لاحقا إلى واجهة تجارية أو سياسية أو احتيالية.

وبين هذه الحالات تتداخل سوق الخدمات التسويقية مع سوق الحسابات الوهمية ومع جرائم الاستيلاء على الهوية الرقمية.

وتمنح البيئة العراقية مساحة واسعة لنمو هذا النشاط. فقد أظهرت بيانات صادرة عن DataReportal وجود 40.1 مليون هوية مستخدم لوسائل التواصل الاجتماعي في العراق في أكتوبر 2025، مقابل 39.6 مليون مستخدم للإنترنت في نهاية العام نفسه.

ولا تعني كلمة “هوية مستخدم” أن الرقم يمثل أشخاصا فريدين أو حسابات قابلة للبيع، إذ تنبه الجهة نفسها إلى احتمال وجود أكثر من حساب للشخص الواحد وإلى اختلاف طرق القياس بين المنصات.

لكن الرقم يوضح حجم الجمهور الرقمي الذي يجعل امتلاك حساب قديم أو صفحة ذات وصول محلي مغريا للمعلنين والوسطاء ومن يبحثون عن نفوذ جاهز.

ولرصد الظاهرة في العراق، لا يكفي البحث عن عبارة “بيع حساب” في محرك البحث. فالإعلانات تستخدم لغة متبدلة لتفادي الحذف، من قبيل “صفحة جاهزة” و”حساب قديم” و”تسليم كامل” و”جمهور عراقي مضمون” أو “تغيير النشاط”.

وتظهر العروض في صفحات التسويق، ومجموعات بيع الخدمات، وقنوات المراسلة، وأحيانا في حسابات تنشر أسعارا لحظية ثم تنقل التفاوض إلى محادثة خاصة.

ويحتاج الرصد المهني إلى بناء قائمة كلمات مفتاحية باللهجة العراقية والعربية الفصحى، مع تتبع الصيغ التي تشير إلى العمر والموقع ونوع الجمهور وعدد المتابعين.

ثم ينبغي حفظ الإعلان في وقت ظهوره، مع إخفاء أسماء المستخدمين وأرقام الهواتف والبيانات التي تكشف هوية الأفراد، وتسجيل السعر والمنصة وعمر الحساب وعدد المتابعين ومعدل التفاعل المعلن وطريقة الدفع وما إذا كان البائع يضمن عدم استرداد الحساب بعد التسليم.

وتظهر الفجوة بين المتابعين والتفاعل كأحد المؤشرات الأولى.

الحساب الذي يحمل عشرات الآلاف من المتابعين ولا يحصل على مشاهدات أو تعليقات متناسبة قد يكون جمهورُه غير حقيقي أو جرى جمعه من بلدان مختلفة أو فقد اهتمامه بعد تغيير موضوع الصفحة.

كما أن الارتفاع المفاجئ في المتابعين، وتكرار التعليقات العامة، واختلاف لغة الجمهور عن لغة المحتوى، وتغير اسم الحساب ووصفه أكثر من مرة، كلها إشارات لا تثبت المخالفة بمفردها لكنها تستحق الفحص.

وتتطلب المقارنة بين الحساب قبل البيع وبعده وقتا لا تتيحه الإعلانات السريعة.

يمكن رصد ذلك من خلال تغير مفاجئ في موضوع الصفحة أو اسمها أو لغتها، ظهور روابط دفع أو استثمار لم تكن موجودة، إعادة نشر مواد سياسية أو إعلانية بكثافة، أو استخدام الحساب لبناء ثقة سابقة قبل إطلاق حملة احتيال. وفي هذه المرحلة تصبح قيمة الحساب مرتبطة بتاريخه وسمعته أكثر من عدد متابعيه.

وتحظر المنصات الكبرى هذا النوع من التداول. فشروط إنستغرام تنص على عدم بيع الحساب أو ترخيصه أو شرائه، بما في ذلك محاولة بيع الحساب أو نقله، بينما تنص شروط تيك توك على عدم منح الآخرين حق الوصول إلى الحساب أو نقله من دون إذن.

وفي العراق، يتيح تتبع البلاغات والتحذيرات الرسمية، إلى جانب مقابلات مع ضحايا وبائعين ووسطاء وخبراء أمن رقمي، بناء صورة أدق من الاعتماد على منشورات البيع وحدها.

لذلك فإن رصد بيع الحسابات في العراق والدول العربية يجب أن يبدأ من تتبع التحولات لا من عد الإعلانات فقط: من يشتري الجمهور، وكيف يتغير محتوى الحساب، ومتى ينتقل من الترفيه إلى البيع أو السياسة أو الاستثمار، وما الذي يحدث بعد الشكوى.

 


المسلة – متابعة – وكالات

النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

About Post Author