بغداد/المسلة:
وسط الضجيج الانتخابي المتصاعد في العراق، تعود الطائفية لتتصدر المشهد مجددًا، لا كخطر طارئ، بل كتكتيك انتخابي متكرّر يعكس فشلًا سياسيًا متجذرًا. ففي كل موسم انتخابي، تتوارى البرامج الإصلاحية وتُطوى أوراق الكفاءة، لصالح خطاب تعبوي يقوم على تقسيم المجتمع وفق خطوط طائفية ومذهبية حادّة، ويُستخدم كأداة سريعة لضمان الأصوات في صناديق لا تحفظ ذاكرة.
ويأتي هذا التحول في الخطاب ضمن سياق أعمق من الإخفاق المزمن في إنتاج طبقة سياسية تمتلك أدوات الحكم الرشيد. إذ تُظهر التشكيلة الانتخابية الجديدة – بقوائمها الـ25 وتحالفاتها المتشظية – عجزًا واضحًا عن تجاوز المنطق الهويّاتي، في وقت يتطلب الواقع فيه إصلاحًا جذريًا لمؤسسات الدولة وخدماتها. فاللجوء إلى “الطائفية الانتخابية” ليس نتاج قناعة فكرية بقدر ما هو اعتراف ضمني من المرشحين بفراغهم البرامجي، ومحاولة لتغطية العجز السياسي بـ”مشاعر الخوف والولاء”.
وتكشف إفادات سياسيين ومراقبين أن الخطاب الطائفي بات الملاذ الأخير للمرشح الذي لا يحمل في جعبته شيئًا سوى اسمه وانتمائه. فالمرشح الفاقد للرصيد الأكاديمي أو التجربة المهنية، يجد في اللعب على وتر الطائفة وسيلة سهلة للتعبئة، خصوصًا في بيئات أنهكها الجهل السياسي وسحقتها الأزمات المعيشية.
وهنا تتحول الطائفية إلى ما يشبه “عملة رمزية” متداولة، يُستثمر فيها للربح الانتخابي، حتى وإن كان الثمن هو وحدة البلاد.
ويبدو أن مأزق السياسة في العراق لم يعد فقط في غلبة الهويّة على الدولة، بل في تطبيع هذا الاستخدام “النفعي” للهويّات، بوصفه ممارسة انتخابية رائجة، بل مشروعة ضمنيًا. ولعلّ الأخطر هو أن الطائفية اليوم لم تعد صراعًا بين فئات متقابلة فحسب، بل أداة للانقسام داخل المكوّنات نفسها، في تآكل تدريجي للنسيج المجتمعي لم ينجُ منه حتى الشركاء في البيت الواحد.
وتطرح هذه الديناميكية أسئلة خطيرة حول مستقبل التمثيل السياسي في العراق، حين يُقاس النجاح الانتخابي بعدد صرخات الطائفة، لا بحجم المنجزات. فالتحشيد الطائفي، وإن بدا فعّالًا مرحليًا، يؤسّس لحالة مستدامة من الانقسام وفقدان الثقة، ما يهدّد بإعادة إنتاج الأزمات بدلًا من حلّها.
المسلة – متابعة – وكالات
النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

أخبار ذات علاقة
الكويت تسلم العراق مذكرة احتجاج رسمية رفضاً للمساس بسيادتها البحرية
نظام الأسيكودا يوحد المنافذ الحدودية ويعيد رسم خريطة التجارة
يحلها الحلاّل