بغداد/المسلة: تمثل الخطوة التركية بإنهاء اتفاقية خط أنابيب تصدير النفط مع العراق تحوّلاً نوعياً في ملامح العلاقة الاقتصادية والسياسية بين البلدين، إذ لم يكن القرار منفصلاً عن سياقات الخلاف القانوني السابق ولا عن الحسابات الاستراتيجية الراهنة، بل جاء ليعكس تزاوجاً بين القانون والسياسة والجغرافيا. فالمادة (11) من الاتفاقية المعدلة عام 2010 منحت أنقرة وبغداد على حد سواء حق الانسحاب المنظم، غير أن اختيار تركيا لهذا التوقيت تحديداً يوحي بأن القرار أداة تفاوضية ورسالة ضغط في آن واحد، وفق الخبير الاقتصادي نبيل المرسومي.
وتكشف قراءة الخلفيات أن الدعوى القضائية التي حسمتها محكمة غرفة التجارة في باريس لصالح العراق وألزمت أنقرة بدفع تعويضات بمليار ونصف المليار دولار شكّلت عاملاً إضافياً حفّز تركيا على إعادة النظر في خطوط التصدير القائمة. ففي منطق السياسة الواقعية، لم يعد ممكناً الفصل بين الملفات القانونية والسياسات الطاقوية، بل أضحى كل طرف يوظف أدواته بما يحقق مكاسب في لعبة النفوذ الإقليمي.
وتطرح أنقرة بديلاً استراتيجياً متمثلاً بإنشاء خط جديد يمتد من البصرة إلى ميناء جيهان عبر عقدة جغرافية داخلية تمر بحديثة وبيجي وفيشخابور وصولاً إلى سيلوبي جنوب تركيا، بطاقة إنتاجية ضخمة تصل إلى 2.2 مليون برميل يومياً، بحسب المرسومي، وهو ما يتقاطع مع مشروع “طريق التنمية” العراقي الرامي لربط آسيا بأوروبا. وبذلك تحاول تركيا أن تُعزز موقعها كمركز إقليمي للطاقة، وتضع نفسها في قلب الجغرافيا السياسية الجديدة للنفط والغاز.
ويبدو أن المشروع لا يتوقف عند النفط، بل يشمل كذلك مد أنبوب غاز من البصرة إلى سيلوبي، بما يتيح للعراق استيراد الغاز التركي مؤقتاً لتشغيل محطات الكهرباء إلى حين تطوير حقوله الغازية المحلية. وهو ما يضع العلاقة بين بغداد وأنقرة في إطار من الاعتمادية المتبادلة، حيث تتحول ملفات الطاقة إلى رافعة للتأثير السياسي ولضبط التوازنات الداخلية بين المركز والإقليم.
ويظل الخاسر الأوضح في المعادلة هو إقليم كردستان الذي يعتمد كلياً على خط جيهان كمنفذ وحيد لتصدير نفطه، إذ يفرض توقف الخط واقعاً اقتصادياً صعباً على أربيل ويزيد ارتباطها المالي ببغداد، في وقت تتشابك فيه الحسابات مع ملفات الرواتب والنفط والميزانية الاتحادية.
وتفيد التحليلات ان أنبوب النفط يتحول من مجرد مسار طاقة إلى أداة ضغط مركزية في إدارة الصراع والتفاهم بين الفاعلين الإقليميين والمحليين.
المسلة – متابعة – وكالات
النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

أخبار ذات علاقة
شروط ترامب الـ 5 لمنع اندلاع حرب مع إيران
أمريكا وتشكيل الحكومة.. من الضغوط الخفية الى الإعلان الصريح
بارزاني: منصب رئاسة الوزراء من حصة البيت الشيعي ويجب حسمه بينهم