بغداد/المسلة: تهز الفضيحة التي فجرتها صحيفة “برس غازيت” ثقة الجمهور بالمؤسسات الإعلامية الكبرى، بعدما تبين أن بعض المنابر الرصينة لم تكتفِ بخفض الكُلف عبر إدخال الذكاء الاصطناعي في غرف الأخبار، بل وقعت في فخ الاحتيال والمعلومات الزائفة، واضطرت إلى التراجع بشكل علني وحذف مقالات نُشرت بأسمائها.
ويكشف هذا التطور حجم التحدي الذي يواجه صناعة الصحافة، إذ لم يعد الخطر مقتصراً على “الأخبار الكاذبة” التي تنشرها جهات مشبوهة على أطراف الفضاء الرقمي، بل امتد إلى قلب مؤسسات إعلامية لها تاريخ في التحقق والتدقيق، ما يضعها أمام أزمة مصداقية قد تكون أعمق من أزمة التمويل أو فقدان الجمهور.
ويشير الحذف الجماعي لمقالات كاتب وهمي مثل ماراغو بلانشارد إلى أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة لتحسين الكفاءة، بل تحول إلى عامل تهديدي يخلط الحدود بين الواقع والتلفيق. وتبدو الواقعة أكثر خطورة عندما يكتشف القارئ أن أسماء بلدات وشركات مختلقة تسللت عبر “المحررين البشر” أنفسهم، وهو ما يعكس هشاشة أنظمة التحقق الداخلي التي كانت تُعدّ يوماً حصن الصحافة.
وتفضح الاعتذارات العلنية لمجلات مثل “وايرد” و”بيزنس إنسايدر” إدراكاً متأخراً أن الاعتماد غير المنضبط على الخوارزميات قد يطيح بما تبقى من رساميل الثقة مع الجمهور، في وقت تشير فيه الإحصاءات إلى أن نصف الصحفيين حول العالم صاروا يستخدمون هذه التقنية بالفعل. ويبدو أن “المعادلة الاقتصادية” التي دفعت المؤسسات إلى التضحية بالكوادر البشرية لم تحسب جيداً ثمن السقوط في شرك الذكاء الاصطناعي.
وتبرز خلف هذه الفضيحة معادلة سياسية وإعلامية أوسع، حيث تتقاطع أزمة الشرعية في الصحافة مع صعود تقنيات قد تتحول إلى أدوات تلاعب بالرأي العام أو إلى رافعة لتعزيز الشفافية. وما بين التهديد والفرصة، تقف المؤسسات الإعلامية عند مفترق حاسم: إما تطوير أدوات تحقق صارمة تحمي قيم الصحافة التقليدية، أو الانزلاق إلى دوامة “محتوى بلا مؤلف” يتآكل معه معنى المسؤولية.
المسلة – متابعة – وكالات
النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

أخبار ذات علاقة
أمريكا وتشكيل الحكومة.. من الضغوط الخفية الى الإعلان الصريح
بارزاني: منصب رئاسة الوزراء من حصة البيت الشيعي ويجب حسمه بينهم
السوداني في كردستان: خارطة طريق نحو اختيار رئيس الجمهورية