بغداد/المسلة:
ليث شبر
لم أكن يومًا أتصوّر أن أُعاتَب على نزاهتي، ولا أن تُوضَع الاستقامة في خانة سوء التقدير. غير أنّي، عبر سنوات العمل العام، وجدت نفسي أواجه سؤالًا واحدًا يتكرّر بصيغٍ شتّى: ماذا جنيت؟ ( شحصلت ) ولماذا لم تفعل كما فعل غيرك؟ (غيرك هسه عدهم قصور وفلل ) كان السؤال يُطرح أحيانًا بنبرة شفقة، وأحيانًا بلهجة لوم، وأحيانًا باعتباره نصيحة متأخرة، حتى حين يصدر من أقرب الناس.
عندها أدركت أن الخلل أعمق من سلوك أفراد، وأننا إزاء تحوّل صامت في منظومة القيم نفسها، تحوّل لم يعد يرى في النزاهة فضيلة، بل عبئًا، ولا في الامتناع عن الاستفادة موقفًا، بل خسارة.
من هنا يبدأ هذا المقال، لا بوصفه دفاعًا عن سلوك شخصي، بل محاولة لفهم المسار الذي جعل المجتمع العراقي ينتقل، بهدوءٍ مريب، من نفورٍ فطري من المرتشي، إلى قبولٍ بارد لمعادلةٍ خطِرة: لا يهم من أين جاء المال، المهم ألّا يخرج صاحب المنصب صفر اليدين.
لم يكن هذا التحوّل وليد لحظة سياسية بعينها، بل نتيجة تراكم طويل أعاد تشكيل الوعي الجمعي عبر دوائر ثلاث متداخلة: البيت، ثم المدرسة، ثم المجتمع.
في البيت العراقي، حيث كان المال المشوب يثير الحرج ويكسر الهيبة، بدأ الميزان يميل تحت ضغط الخوف وانعدام اليقين. لم يعد السؤال عن المصدر أولوية، بل عن القدرة على تأمين الحياة وسط دولةٍ متآكلة. ومع الوقت، صار التبرير عادة، والعادة عرفًا، والعرف قاعدة غير معلنة. وهكذا انتقلت الأسرة، من حيث لا تشعر، من كونها الحارس الأول للقيم إلى مساحة مساومة صامتة، تُؤجَّل فيها الأسئلة الأخلاقية إلى أجلٍ لا يأتي.
وفي المدرسة، لم تُهزم النزاهة لأنها إما غابت عن المناهج، أو لأنها انفصلت عن الواقع. إذ تُدرَّس القيم بوصفها نصوصًا محفوظة، لا سلوكًا يُكافَأ.
الطالب يرى بأم عينه أن الالتزام لا يحمي، وأن التفوق لا يضمن، وأن الطريق الأقصر هو الأكثر ازدحامًا. يتعلّم، من دون خطاب مباشر، أن الذكاء في الالتفاف لا في المواجهة، وأن القانون قابل للتطويع، وأن الصمت أضمن من الاعتراض. وحين يغادر المدرسة، يكون قد تشرّب هذا المنطق لا عبر الدروس، بل عبر المشهد اليومي.
ثم يأتي المجتمع ليُنجز الحلقة الأخيرة. مجتمعٌ أنهكته الصدمات، فصار يقيس الناس بما يملكون لا بما يمثلون، وبما يوزّعون لا بما يرفضون. تغيّرت اللغة، وتغيّر معها الحكم: المرتشي والفاسد “شاطر”، والمتنفّذ “يعرف اللعبة”، والنزيه “غير عملي”. من يمسك موقعًا ولا يستفيد يُنظر إليه بريبة، كأنه أضاع حقه، أو لم يُحسن قراءة الفرصة. هكذا انقلبت المعايير، ولم يعد الفساد استثناءً، بل مهارة اجتماعية، ولم تعد النزاهة قيمة جمعية، بل خيارًا فرديًا مكلفًا.
الأخطر في هذا المسار أنه لا يدمّر المال العام فحسب، بل يُفرغ المجتمع من أي قدرة على إنتاج قدوة. فحين تصبح النزاهة موضع عتب، لا موضع احترام، يفقد الجيل الجديد بوصلته. إذ لا يعود السؤال: ما الصحيح؟ بل: ما الممكن؟ ولا يعود النجاح مرتبطًا بالقيمة، بل بالوصول، أيًّا كانت الوسيلة. في هذا المناخ، يعاد إنتاج الأزمة بلا نهاية، لأن المنظومة التي تستهجن الفساد لفظًا تكافئه فعلًا.
إن استعادة النزاهة في العراق لا تبدأ بحملاتٍ إعلامية ولا بشعاراتٍ رسمية، بل بإعادة الاعتبار لمسار التربية كله. تبدأ ببيتٍ يضع حدًّا فاصلًا لا يُساوَم عليه، وبمدرسةٍ تعيد وصل القيم بالفرص لا بالعقاب، وبمجتمعٍ يكفّ عن السخرية ممن قال “لا” حين كان قولها مكلفًا. من دون ذلك، سنظل نُدين الأفراد، بينما الخلل كامن في المنظومة التي أعادت تعريف الذكاء، وبدّلت معنى النجاح، حتى صار الفساد قاعدة، وكل ما عداها يحتاج إلى تبرير.
المسلة – متابعة – وكالات
النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

أخبار ذات علاقة
أمريكا وتشكيل الحكومة.. من الضغوط الخفية الى الإعلان الصريح
بارزاني: منصب رئاسة الوزراء من حصة البيت الشيعي ويجب حسمه بينهم
السوداني في كردستان: خارطة طريق نحو اختيار رئيس الجمهورية