بغداد/المسلة: يكشف المشهد النقدي في العراق، مع عودة ارتفاع الدولار في السوق الموازي خلال الأيام الماضية، عن حاجة أعمق تتجاوز تقلبات سعر الصرف اليومية، وتذهب مباشرة إلى جوهر النموذج الاقتصادي القائم منذ عقود، نموذج الريع النفطي الذي يضخ الدولارات من الخارج ويعيد توزيعها داخليًا بالدينار، تاركًا الاقتصاد هشًا أمام أي تعديل إداري أو مالي مهما بدا تقنيًا أو محدودًا.
ويُظهر الفرق بين السعر الرسمي البالغ 1320 دينارًا للدولار، والسعر الموازي الذي اقترب من 150 ألف دينار لكل 100 دولار، بحسب نشرات الصيرفة، أن المشكلة ليست في شح العملة الصعبة بقدر ما هي في طريقة إدارتها وتوجيهها. فالعراق يمتلك احتياطيات مريحة وتضخمًا منخفضًا نسبيًا، وفق بيانات البنك المركزي، لكنه ما زال يستهلك الدولار أكثر مما ينتجه، ويستورد أكثر مما يصنّع، ما يجعل أي إصلاح مالي بمثابة اختبار صعب لصلابة المجتمع والاقتصاد معًا.
ويُجمع خبراء اقتصاديون، بينهم ناصر الكناني، في تصريحات متداولة على منصات التواصل، على أن ما يجري هو نتيجة طبيعية لتراكم سياسات تصحيحية مؤجلة، وفي مقدمتها أتمتة الگمارك وتشديد الامتثال المالي، وهي خطوات طال انتظارها لوقف الهدر والتهريب وتعظيم الإيرادات غير النفطية. ويشير الكناني في تدوينة حديثة إلى أن “الإصلاح الحقيقي لا يكون بلا كلفة، لكن كلفته المؤجلة أخطر بكثير من كلفته الآنية”.
وتبدو الحكومة، من خلال سياساتها المالية الأخيرة، وكأنها تحاول نقل الاقتصاد من مرحلة الإنفاق السهل الممول بالكامل من النفط، إلى مرحلة أكثر انضباطًا تقوم على الجباية، وتنويع الموارد، وضبط الاستيراد. وهذا التحول، مهما كان ضروريًا، لا يمكن أن ينجح ما لم يُدرك المواطن أن جزءًا من عبء الإصلاح سيقع عليه، سواء عبر تحمل ارتفاعات مؤقتة في الأسعار أو عبر التكيف مع نظام ضريبي وجمركي أكثر صرامة.
وتُظهر تجارب دول عديدة خرجت من الاقتصاد الريعي أن إشراك المجتمع في كلفة الإصلاح، مع حماية الفئات الهشة، هو الطريق الأقصر للاستدامة. فالدعم غير الموجّه، والدولار الرخيص للجميع، والسيولة السهلة، لم تنتج سوى اقتصاد استهلاكي يعتمد على الخارج ويستنزف الداخل.
وعلى منصات التواصل، يذهب مدونون اقتصاديون عراقيون إلى أن ما يحدث اليوم “ألم ضروري”، معتبرين أن استمرار الفجوة بين السعرين هو ثمن مرحلة انتقالية لا بد منها، شرط أن تترافق مع شفافية حكومية أوضح، وبرامج توعية تشرح للمواطن لماذا يُطلب منه أن يتحمل، ومتى سيجني ثمار هذا التحمل.
وفي المحصلة، لا تبدو أزمة الدولار الأخيرة سوى رسالة قاسية لكنها واضحة: العراق بحاجة إلى إرشاد إنفاقه العام، وتوجيه مواطنيه نحو اقتصاد إنتاجي، والانتقال من منطق الريع إلى منطق المشاركة في المسؤولية. فالإصلاح المالي ليس قرار حكومة فقط، بل عقد جديد بين الدولة والمجتمع، عنوانه أن الاستقرار المستدام لا يُشترى بالدولار وحده، بل يُبنى بتحمل الجميع جزءًا من كلفته اليوم، لتقليل أعبائه غدًا.
المسلة – متابعة – وكالات
النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

أخبار ذات علاقة
دخان الحرب فوق مضيق هرمز : السيناريو الأسوأ لاقتصاد العالم
كيف ستكون إيران؟
الحكيم: نعرب عن أسفنا للتغريدة التي صدرت بحق مرشح الإطار ونحذر من تبعات اقتصادية كبيرة