المسلة

المسلة الحدث كما حدث

الطاقة والنقل في العراق حين تتحول السيارة إلى عبء استراتيجي

الطاقة والنقل في العراق حين تتحول السيارة إلى عبء استراتيجي

20 يناير، 2026

بغداد/المسلة:  يشهد العراق تصاعداً غير مسبوق في أعداد السيارات الخاصة، مع اقتراب الرقم من عشرة ملايين مركبة، في مشهد يعكس تحولات عميقة في أنماط العيش والحركة داخل المدن، ويضع البنى التحتية أمام اختبار قاسٍ، فيما يفتح في الوقت ذاته باباً واسعاً لإعادة التفكير بالتخطيط الحضري والاقتصادي وتحويل الضغط المتراكم إلى فرصة هيكلية طويلة الأمد.

وفي السنوات الأخيرة، لم تعد السيارة مجرد وسيلة تنقل يومية، بل تحولت إلى مؤشر اقتصادي واجتماعي يعكس توسع الطبقة الوسطى واختلال منظومات النقل العام، ومع تجاوز عدد المركبات المسجلة ثمانية ملايين سيارة، مقارنة بنحو سبعة ملايين في عام 2020، بات النمو المتسارع عنواناً لتحول أعمق في علاقة المواطن بالمدينة والفضاء العام.

وفي أفق عام 2030، تتجه التقديرات إلى تجاوز عدد السيارات تسعة ملايين مركبة، مدفوعة بضعف النقل الجماعي وغياب البدائل المنظمة، حيث قال الباحث الاقتصادي علي الخفاجي أن “امتلاك السيارة في العراق لم يعد رفاهية بل ضرورة قسرية في ظل غياب الحافلات والقطارات”، في تعبير يعكس المزاج العام للمدن المكتظة.

كما تتصدر بغداد المشهد بنحو ثلاثة ملايين سيارة، أي ما يقارب 36 في المئة من إجمالي المركبات، تليها أربيل ثم السليمانية، وهو تركز حضري كثيف يضغط على شبكات الطرق والجسور ويكشف محدودية النمو العمراني القائم، وسط شكاوى يومية من اختناقات تمتد لساعات طويلة.

وفي خلفيات هذا التوسع، يبرز غياب الضوابط الصارمة على استيراد السيارات خلال سنوات سابقة، ودخول أعداد كبيرة من المركبات المتهالكة، إلى جانب النمو السكاني المتواصل، ما جعل السيارة الخيار شبه الوحيد للتنقل.

وعلّق مدون عبر فيسبوك قائلاً إن “الطريق في بغداد لم يعد ممراً بل مساحة انتظار مفتوحة”.

وفي المقابل، تتجه القراءة الاقتصادية إلى اعتبار الظاهرة تحولاً بنيوياً لا مجرد أزمة مرورية، إذ تفقد بغداد جزءاً متزايداً من كفاءتها الإنتاجية مع ضياع ما بين ساعتين ونصف إلى أربع ساعات يومياً من وقت العاملين، ما يحول المدينة تدريجياً إلى مركز استهلاكي خانق.

كما يدفع هذا الواقع نحو توسع عمراني خارج المركز، مع بروز مدن الحواف والمجمعات الجديدة على أطراف العاصمة، في ما يشبه هروباً عمرانياً مدفوعاً بالسيارة، حيث تتحول الطرق السريعة إلى شرايين لنمط جديد من السكن والعمل.

وفي البعد الطاقوي، يعني الوصول إلى عشرة ملايين سيارة استهلاكاً يومياً يقارب أربعين مليون لتر بنزين، أي نحو 251 ألف برميل نفط موجهة للسوق المحلي، ما يفاقم كلفة الاستيراد ويعمق الضغط على المصافي المتقادمة، وسط دعوات لإنشاء مصافٍ حديثة قادرة على تحويل كثافة السيارات إلى قطاع اقتصادي مولّد للوظائف والقيمة المضافة.

و تبدو أزمة السيارات في العراق مرآة لتحول حضري واقتصادي شامل، حيث يمكن للسياسات المتوازنة في النقل والطاقة والتخطيط العمراني أن تعيد رسم الخريطة، وتنقل البلاد من الاختناق إلى الاستدامة.

 


المسلة – متابعة – وكالات

النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

About Post Author