المسلة

المسلة الحدث كما حدث

كيف نجحت الممرات المتعددة للتصدير من تحدي تقلبات المضائق وأوهام الاحتكار؟

كيف نجحت الممرات المتعددة للتصدير من تحدي تقلبات المضائق وأوهام الاحتكار؟

4 يونيو، 2026

بغداد/المسلة: في قلب الشرق الأوسط المتلاطم، حيث تتقاطع خيوط الجغرافيا مع إرادة الشعوب، يسعى العراق إلى الابتعاد عن مضيق هرمز، ذلك الممر الضيق الذي تحول من شريان حياة إلى أداة ضغط جيوسياسي. ليس الابتعاد هروباً، بل بحثاً عن سيادة طاقية أكثر مرونة في عالم لا يرحم الاعتماد على مسار واحد.

وفي حقبة محمد السوداني، نجحت بغداد في إرساء دعائم تنويع منافذ الصادرات، رغم رفض بعض القوى السياسية التي أثبتت الأزمة فشل مشروعها في الحيلولة دون فتح قنوات التصدير عبر الدول المجاورة. لقد تحول الرفض إلى شهادة على قصر النظر السياسي، بينما مضت الدولة قدماً في نسج شبكة ممرات بديلة تحمي اقتصادها من تقلبات المضائق والحروب.

وأعلنت الحكومة العراقية  أنها تعتزم زيادة صادرات النفط الخام عبر خطوط الأنابيب لتصل إلى 770 ألف برميل يومياً من 220 ألف برميل حالياً، وذلك في غضون شهرين ونصف الشهر، مقسمة على مرحلتين متسارعتين. تأتي الخطوة ضمن استراتيجية أشمل تروم توسيع مسارات التصدير وتقليل الاعتماد على ممرات الشحن في الخليج، التي أصبحت رهينة للتوترات الإقليمية.

ويصدر العراق النفط حالياً عبر ميناء جيهان التركي على البحر المتوسط، في ظل تراجع حاد في الصادرات عبر المسار الجنوبي بسبب القيود الشديدة المفروضة على الملاحة في مضيق هرمز. وفي خطوة تاريخية، تعتزم بغداد توقيع اتفاق مع دمشق لنقل وتخزين ومناولة شحنات خام البصرة الخفيف والبصرة المتوسط والبصرة الثقيل عبر ميناءي بانياس وطرطوس على البحر المتوسط. كما جاء في بيان مجلس الوزراء أن بغداد ستفتح مكتباً تمثيلياً لوزارة النفط في سوريا لإدارة عمليات التصدير عبر هذا المسار الجديد.

لقد أدت الحرب التي اندلعت بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى في نهاية فبراير الماضي إلى توقف شبه تام لصادرات العراق النفطية عبر الخليج، بعد إغلاق مضيق هرمز أو تقييده بقيود أمنية صارمة.

وتكشف التقارير أن العراق كان من أكثر دول المنطقة تضرراً، إذ تعتمد موازنته على عائدات النفط بشكل شبه كلي. كان العراق يصدر يومياً أكثر من ثلاثة ملايين برميل عبر موانئ الجنوب، تمر معظمها عبر هذا الممر الحيوي، بينما يستورد سلعاً تتراوح قيمتها بين 50 و70 مليار دولار سنوياً، يصل الجزء الأكبر منها عبر المسار ذاته.

ومع تصاعد القيود على حركة السفن وارتفاع كلف النقل والتأمين إلى مستويات فلكية، وجدت بغداد نفسها أمام ضغط مزدوج على الصادرات والإمدادات في آن واحد، في بلد يعتمد على هذا المسار في أكثر من 70% من تجارته الخارجية.

في هذا السياق، تبرز الاتفاقية مع سوريا كخيط ذهبي في نسيج التنويع. فقد سبقتها تجارب أولية ناجحة في أبريل الماضي، حيث نقل النفط براً عبر صهاريج إلى مصفاة بانياس، وبدأت سوريا فعلياً في تحميل أول ناقلة تحمل الخام العراقي لإعادة التصدير، مع الاحتفاظ بجزء منه لتغذية محطات الكهرباء المحلية. هكذا يعود خط كركوك-بانياس التاريخي، الذي ظل مهجوراً منذ عقود، ليتنفس من جديد كرمز لإحياء الممرات القديمة في خدمة الحاضر.

على منصة إكس، التقط محللون هذه التحولات . كتب أحدهم: “إذا صحّ هذا الخبر… فنحن أمام تحول مهم في منطق الجغرافيا السياسية في المنطقة، حيث تعود المصالح الاقتصادية لتفرض نفسها فوق خطوط الصراع القديمة. المنطقة تتحرك اليوم بدافع الاقتصاد والطاقة قبل الشعارات”.

وأضاف آخرون أن بغداد تراهن على مشروع خط البصرة-الحديثة كعمود فقري للمنظومة الشمالية، مع إبقاء خيارات سوريا والأردن مفتوحة لتعزيز المرونة وتقليل الاعتماد على مسار واحد، بينما تتفاوض مع أنقرة على اتفاقية نفط جديدة قبل انتهاء عقد جيهان في يوليو المقبل، سعياً لتعزيز السيطرة الاتحادية عبر شركة تسويق النفط العراقية (سومو).

وفي عالم تتحكم فيه المضائق كأدوات هيمنة، يصبح التنويع فعل مقاومة هادئة، وإعادة صياغة للعلاقة بين الجغرافيا والسيادة. العراق، الذي عانى طويلاً من أحادية المسار، يحاول اليوم أن يحول أزمة هرمز إلى فرصة تاريخية لبناء شبكة ممرات متعددة، كأن النفط الأسود يبحث عن أوردة جديدة في جسد المنطقة ليضخ فيها حياة أكثر استقراراً وأقل هشاشة.

**في الختام، ثلاثة عناوين خبرية مبتكرة كثيفة المعلومة:**

– بغداد توافق على رفع صادرات النفط عبر الأنابيب إلى 770 ألف برميل يومياً وتفعيل اتفاق النقل والتخزين مع سوريا عبر بانياس وطرطوس في غضون 75 يوماً

– مجلس الوزراء العراقي يقر فتح مكتب تمثيلي لوزارة النفط في دمشق ونقل خامات البصرة الثلاثة إلى موانئ المتوسط ضمن استراتيجية التنويع بعيداً عن هرمز

– تجارب أبريل الناجحة تسبق الاتفاق الرسمي: العراق يبدأ فعلياً شحن النفط براً إلى بانياس ويخطط لزيادة الطاقة الأنبوبية ثلاثة أضعاف بحلول أغسطس 2026

 


المسلة – متابعة – وكالات

النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

About Post Author