المسلة

المسلة الحدث كما حدث

قراءة في بيان القضاء الأعلى

قراءة في بيان القضاء الأعلى

20 يوليوز، 2026

بغداد/المسلة:

مازن صاحب

بعد شَنّةٍ ورَنّةٍ في صخب دبابات الفجر التي لا تنام في مكافحة الفساد… جاء بيان مجلس القضاء الأعلى ليقول للعراقيين شيئاً مختلفاً. ليس عن الفاسدين، بل عن فلسفة التعامل معهم.

لم يتحدث البيان عن محاكمة المتهمين فحسب، بل عن معادلة جديدة عنوانها: إعادة الأموال مقابل تخفيف الإجراءات القانونية أو العقوبات، وفق ما يتيحه الدستور والقانون.

لست بصدد مناقشة قانونية لما ورد في البيان، بقدر ما أتوقف، كصحفي وباحث سياسي، أمام دلالاته وما يمكن أن يؤسس له في المرحلة المقبلة.

أولاً… للمرة الأولى يعلن مجلس القضاء الأعلى، وبوضوح لا يحتمل التأويل، أن هدف مكافحة الفساد لم يعد العقوبة وحدها، وإنما الجمع بين محاسبة الفاسدين واسترداد الأموال المنهوبة، مع إمكانية تخفيف الإجراءات القانونية أو العقوبات بحق من يعيد تلك الأموال. وهنا لا يعود الحديث عن قضية، بل عن نهج جديد في إدارة ملفات الفساد.

ثانياً… كشف البيان أن إطلاق سراح المتهم الرئيس في قضية سرقة القرن لم يكن إجراءً قضائياً مجرداً، بل جاء بعد اتفاق بين رئيس مجلس القضاء الأعلى ورئيس مجلس الوزراء السابق، وبموافقة قاضي التحقيق، مقابل إعادة الأموال على دفعات. لكن الوقائع نفسها تقول إن ما عاد إلى خزينة الدولة لم يتجاوز (365) مليار دينار من أصل أكثر من تريليون وستمائة مليار دينار ترتبت بذمة شركتيه، قبل أن يغادر المتهم العراق وتتوقف عملية التسديد.

ثالثاً… الأخطر من كل ذلك أن البيان لم يقف عند حدود سرقة القرن، بل أعلن أن هذا المسار يمكن أن يمتد إلى قضايا فساد أخرى، وأن البحث جارٍ، بالاتفاق مع رئيس مجلس الوزراء، لوضع خارطة طريق تحقق الهدفين معاً: استرداد الأموال، وتخفيف الإجراءات القانونية بحق من يعيدها طوعاً. وهنا يتحول الاستثناء إلى قاعدة، والملف الواحد إلى سياسة عامة.

رابعاً… ترك البيان الباب مفتوحاً أمام شمول بعض المتهمين بقانون العفو العام المعدل إذا كانت الجرائم قد ارتكبت قبل نفاذه، وربط ذلك بتسديد الأموال المستحقة للدولة. وهذا يعني أن الجانب الزمني أصبح فاصلاً بين من يشمله العفو ومن لا يشمله.

من وجهة نظري المتواضعة جداً… هكذا قرأت البيان:
أولاً… يبدو أن الدولة، تحت ضغط استعادة الأموال العامة، تتجه إلى إعطاء الأولوية لما يعود إلى الخزينة، أكثر من تركيزها على تشديد الردع الجزائي. والسؤال الذي يفرض نفسه: هل تكفي استعادة الأموال وحدها لتفكيك منظومة الفساد السياسي، أم أنها تفتح أبواباً دوارة لولادة تسويات جديدة؟

ثانياً… تؤكد اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد أن استرداد الأموال ركن أساسي في مكافحة الفساد، لكنها لا تقل أهمية عن الإجراءات الوقائية والتشريعية والمؤسسية التي تمنع وقوع الجريمة أصلاً. أما الاكتفاء باسترداد الأموال بعد وقوعها، فإنه يبقي ماكينة الفساد تعمل، مهما ارتفعت قيمة الأموال المستعادة.

ثالثاً… ليس من الإنصاف تحميل القضاء وحده مسؤولية هذا الواقع. فالقاضي لا يصنع الدعوى، وإنما يحكم بما يعرض عليه من أدلة. وإذا قصرت الجهات الحكومية والرقابية في بناء ملفاتها التحقيقية، فإن أي محكمة ستظل مقيدة بالقانون، مهما كانت بشاعة الجريمة.

وفق هذه القراءة، تبدو أمام الجهات المختصة بقضايا النزاهة.. طريقان لا ثالث لهما.

الأول… أن تتجه هذه الجهات.. حكومية كانت أم من منظمات المجتمع المدني، إلى المحكمة الاتحادية العليا للطعن بدستورية شمول جرائم الفساد بقانون العفو العام، إذا كانت ترى أن ذلك يتعارض مع المبادئ الدستورية أو مع التزامات العراق بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد.

أما الطريق الآخر… فهو سياسي بامتياز. فإذا كانت دبابات الزيدي لا تعرف الخطوط الحمراء، كما يتكرر القول.. وإذا كان الجميع تحت المطرقة، فإن الاختبار الحقيقي لتحالف إدارة الدولة والإطار التنسيقي يبدأ من البرلمان، عبر تعديل قانون العفو العام مرة أخرى، واستبعاد جرائم الفساد من أحكامه بصورة قاطعة.

السؤال العراقي بمرارة العلقم…هل تمتلك القوى الحاكمة شجاعة تفكيك منظومة الفساد، أم أنها ستكتفي بإدارة الفساد… عبر أبوابه الدوارة؟
يبقى من القول… لله في خلقه شؤون.


المسلة – متابعة – وكالات

النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

About Post Author