المسلة

المسلة الحدث كما حدث

من المدينة الى كربلاء… حكاية موقف غير التاريخ

من المدينة الى كربلاء… حكاية موقف غير التاريخ

24 يونيو، 2026

بغداد/المسلة:

حسن الحيدري

كلما ذكرت كربلاء تتجه الاذهان مباشرة الى يوم عاشوراء وما انتهى اليه من مأساة ما زالت حاضرة في الذاكرة الاسلامية بعد اكثر من اربعة عشر قرنا غير ان التركيز على نهاية الاحداث وحدها يحجب عن القارئ سلسلة طويلة من الوقائع السياسية والاجتماعية التي سبقتها والتي لا يمكن فهم كربلاء بمعزل عنها.

فبعد وفاة معاوية بن ابي سفيان سنة 60 للهجرة انتقلت الخلافة الى ابنه يزيد بن معاوية في خطوة مثلت تحولا مهما في تاريخ الدولة الاسلامية وفي ذلك الوقت كان الامام الحسين بن علي من ابرز الشخصيات الدينية والاجتماعية في الامة وعندما طلب منه اعلان البيعة ليزيد اختار عدم القيام بذلك وهو موقف فتح الباب امام واحدة من اكثر المحطات جدلا وتأثيرا في التاريخ الاسلامي.

غادر الامام الحسين المدينة المنورة متوجها الى مكة المكرمة ولم يكن خروجه مجرد انتقال جغرافي من مدينة الى اخرى بل كان تعبيرا عن موقف سياسي واضح فقد كانت المدينة تمثل مركزا دينيا واجتماعيا حساسا واي مواجهة فيها كان يمكن ان تؤدي الى اضطرابات واسعة لذلك فضل الامام الحسين الابتعاد عن تجواء التوتر المباشر متخذا من مكة محطة جديدة لتحركاته.

وفي تلك الاثناء كانت الكوفة تعيش حالة من القلق السياسي فالمدينة التي لعبت ادوارا مهمة منذ عهد الخليفة الامام علي بن ابي طالب شهدت تذمرا من الواقع القائم الامر الذي دفع عددا من اهلها الى مراسلة الحسين ودعوته للقدوم وقد وصلته عشرات الرسائل التي تؤكد استعداد اصحابها لمناصرته فبعث ابن عمه مسلم بن عقيل لاستطلاع الاوضاع على الارض.

غير ان المشهد تغير بسرعة فقد ادركت السلطة الاموية خطورة الموقف فعين عبيد الله بن زياد واليا على الكوفة وتمكن خلال فترة قصيرة من احكام السيطرة على المدينة وتفكيك حركة التاييد للحسين من خلال سلطته الجائرة والواضحة على مر الدكتاتوريات وانتهى الامر بمقتل مسلم بن عقيل وهو تطور كان كفيلا بتغيير المعادلة السياسية بالكامل.

ورغم ذلك واصل الامام الحسين رحلته نحو العراق وتشير المصادر التاريخية الى ان الطريق من مكة الى كربلاء استغرق قرابة خمسة وعشرين يوما في ظل سفر بالقوافل مع نساء واطفال ولك ان تتخيل حجم المعاناة وتعب السفر وخلال هذه الرحلة كانت الاخبار تتوارد تباعا عن تبدل المواقف في الكوفة نتيجة الضغوطات التي مورست ضد سكانها الا ان الاحداث كانت تتسارع بوتيرة لم تعد تسمح بعودة الامور الى ما كانت عليه.

وعندما وصل الامام الحسين الى كربلاء في مطلع شهر محرم سنة 61 للهجرة بدات المرحلة الاخيرة من الازمة فالحصار والضغوط السياسية والعسكرية قادت في النهاية الى المعركة التي وقعت في العاشر من محرم والتي انتهت بمقتل الامام الحسين وعدد كبير من اهل بيته وانصاره .

لكن لفهم ما جرى بصورة اشمل لا بد من النظر الى طبيعة الدولة الاموية آنذاك فالعالم الاسلامي لم يكن مقسما الى دول قومية كما نعرفها اليوم حيث كانت دمشق عاصمة الخلافة ومركزا للقرار السياسي بينما كانت الاقاليم الكبرى تدار بواسطة ولاة يمثلون السلطة المركزية ففي العراق كان عبيد الله بن زياد يشرف على الكوفة والبصرة وفي مصر كان مسلمة بن مخلد الانصاري واليا عليها اما الحجاز فكان يخضع لولاة تعينهم الدولة بشكل مباشر ممن يوالون الطاغية الاوحد .

ومن الاخطاء الشائعة قراءة تلك الاحداث بحدود الجغرافيا الحالية فالعراق وسوريا والسعودية ومصر وتركيا الحديثة لم تكن كيانات سياسية مستقلة آنذاك بل كانت اجزاء من خرائط مختلفة تماما وعلى سبيل المثال فان معظم اراضي تركيا الحالية كانت واقعة تحت حكم الامبراطورية البيزنطية ولم تكن ضمن الولايات الاموية الا بعض المناطق الحدودية الجنوبية المتاخمة للشام.

ان كربلاء لم تكن مجرد مواجهة عسكرية بين طرفين غير متكافئين لامن حيث الاخلاق ولا المبادئ ولا العدد والعدة بل كانت انعكاسا لصراع اعمق حول مفهوم الشرعية السياسية وطبيعة الحكم ومستقبل الدولة الاسلامية التي راى منها الحسين امانة سماوية تحملها من جده وابيه ولهذا السبب استمرت الواقعة حاضرة في الوجدان الاسلامي عبر القرون وتحولت من حدث تاريخي الى رمز ثقافي وديني وسياسي متعدد الدلالات فضلا عن صراع الخير والشر وبين الانسانية وجريمة الطغيان من اجل كرسي الحكم ووأد الثورات مهما كلف الامر دماءا زكية طاهرة على مر الدهور .

واليوم وبعد مرور قرون طويلة على تلك الاحداث ما زالت كربلاء تثير النقاشات والاسئلة ليس فقط حول ما جرى في ذلك الزمن بل حول العلاقة الدائمة بين السلطة والموقف وبين القوة والمبدأ وبين حسابات السياسة وقيم العدالة وربما لهذا السبب تحديدا بقيت كربلاء حية في الذاكرة اكثر من كثير من المعارك والاحداث التي شهدها التاريخ الاسلامي لانها تجاوزت حدود المكان والزمان لتصبح قضية تتجدد مع كل قراءة جديدة للتاريخ ومنارا للثائرين وموقفا يليق بالرجال الحق.


المسلة – متابعة – وكالات

النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

About Post Author