المسلة

المسلة الحدث كما حدث

المرجعية الصدرية للجماعات الإسلامية الشيعية الحاكمة في العراق

المرجعية الصدرية للجماعات الإسلامية الشيعية الحاكمة في العراق

24 يونيو، 2026

بغداد/المسلة:

علي المؤمن

يشكّل فهم المرجعيات الفكرية والسياسية للجماعات الإسلامية الشيعية الحاكمة في العراق مدخلاً أساسياً لفهم طبيعة الرمزية الایديولوجیة التي تنزع إليها السلطة العراقية بعد عام ٢٠٠٣، ومساراتها، وشبكات التأثير التي تحكم قراراتها وتحالفاتها وصراعاتها. فهذه الجماعات، على اختلاف أسمائها وتباين مواقفها وتنافسها الحاد أحياناً، لا يمكن قراءتها بمعزل عن الجذور الفكرية والتنظيمية التي انطلقت منها، ولا عن الشخصيات المؤسسة التي صاغت رؤاها الأولى وحددت أفقها العقدي والسياسي.

وفي مقدمة هذه المرجعيات يبرز اسم المرجع الديني والمفكر والمنظر السيد محمد باقر الصدر (العراق، 1935-1980)، بوصفه الشخصية الأكثر حضوراً في التكوين النظري والحركي لمعظم هذه التيارات، سواء عبر الامتداد المباشر أو عبر التفرعات والتحولات اللاحقة.

ويحاول هذا المقال تتبع الخريطة المرجعية للأحزاب والقوى الإسلامية الشيعية النافذة، وكشف خطوط اتصالها التاريخية والفكرية بمدرسة السيد محمد باقر الصدر، مع بيان تداخلها مع مرجعيات أخرى، كالإمام الخميني والسيد محمد الصدر والسيد علي الخامنئي، وصولاً إلى قراءة أعمق لبنية الحكم الشيعي المعاصر في العراق.

ولا نقصد بالمرجعية هنا المرجعية الدينية فحسب، بل المرجعية النهضوية والإصلاحية والسياسية؛ فجميع الجماعات الإسلامية الشيعية المهيمنة أو الفاعلة في الساحة السياسية العراقية بعد عام 2003 وحتى اليوم تنتمي في مرجعيتها إلى السيد محمد باقر الصدر، بصرف النظر عن مستوى التزامها بفكره وسلوكه وحقيقة نهضته، وعن مستويات حضور هذه الأيديولوجيا الصدرية في مفاصل الدولة العراقية.

والمفارقة هنا، أن یتکرس حضور مرجعية السيد محمد باقر الصدر في الجماعات الإسلامية الشيعية السياسية، وليس في الحوزة العلمية النجفية التي برزت فيها مرجعيته، إلى الحد الذي يمكن معه القول إن مرجعيته العلمية الدينية لم يعد لها وجود ملحوظ في الحوزة العلمية النجفية، التي تهيمن عليها مدرسة الإمام الخوئي. وربما كان للسيد محمد الصدر فضل کبیر فی إعادة هذه المرجعية إلى الحياة العلمية النجفية في تسعينيات القرن الماضي، إلا أنها أفلت بعد استشهاده.

وقد كان أبناء مدرسة محمد باقر الصدر يأملون بعد عام 2003 أن يعود بعض فقهاء هذه المدرسة إلى النجف، ولا سيما السيد كاظم الحائري والسيد محمود الهاشمي، إلا أن ذلك لم يحدث لأسباب وظروف معقدة. وربما يشكّل وجود فقهاء كبار من تلامذة السيد محمد باقر الصدر، مثل الشيخ محمد باقر الإيراوني، والسيد علي أكبر الحائري، والشيخ محمد هادي آل راضي، والسيد حسن النوري، والشيخ حسن الجواهري، في مواقع المرجعية الدينية مستقبلاً، عودةً حقيقيةً لروح مدرسة السيد محمد باقر الصدر في الحوزة النجفية، مع الإشارة إلى أن بعض هؤلاء الفقهاء يجمعون بين المدرسة الصدرية النهضوية والمرجعية الخوئية التقليدية، وهو جمعٌ مهمٌّ وضروريٌّ يحفظ للحوزة توازنها وعالميتها وأبوتها؛ لأن الحوزة الشيعية في جميع مراحلها التاريخية ظلت تحافظ على وجودها وكيانها بوجود التيارات الثلاثة في مفاصلها: التيار النهضوي (ويمثله الإمام الخميني والسيد محمد باقر الصدر)، والتيار الإصلاحي (ويمثله السيد محسن الحكيم والسيد علي السيستاني)، والتيار التقليدي (ويمثله السيد حسين البروجردي والسيد أبو القاسم الخوئي).

وعلى مستوى الجماعات الإسلامية الشيعية السياسية التي تنتمي إلى تيار السيد محمد باقر الصدر، فإنها بعد استشهاده اتجهت نحو الإمام الخميني فكراً وسلوكاً سياسياً، أو تقليداً فقهياً أحياناً. أما السيد محمد الصدر فيمكن القول إنه استقل بمرجعيته النهضوية وأسس مدرسةً خاصةً به. وقد اتجهت فصائل سياسية تنتمي إلى تيار السيد محمد الصدر (الضلع الثالث في مثلث مرجعية السيد محمد باقر الصدر) بعد عام 2003 إلى السيد علي الخامنئي سياسياً أو تقليداً فقهياً، وهو ما فعلته أيضاً تيارات أخرى بعد وفاة الإمام الخميني. ولذلك يمكن القول إن الجماعات الإسلامية الشيعية السياسية الفاعلة في العراق اليوم تنتمي تاريخياً إلى ثلاث مرجعيات دينية سياسية أساسية: السيد محمد باقر الصدر، والإمام الخميني، والسيد محمد الصدر.

أما امتدادات هذه المرجعيات القائمة، فإن السيد كاظم الحائري كان المرجع الديني الوحيد الذي ينتمي إلى مرجعية السيد محمد باقر الصدر مَدرسياً وسياسياً، وقد رجعت إليه بعض الجماعات بالتقليد، مثل عصائب أهل الحق بعد استشهاد السيد محمد الصدر تبعاً لوصيته. أما السيد علي الخامنئي فيمثل امتداد مرجعية الإمام الخميني، وتعود كثير من الجماعات إليه بالتقليد، مثل بعض أجنحة حزب الدعوة، والمجلس الأعلى الإسلامي، ومنظمة بدر، وكتائب حزب الله، وغيرها من الجماعات الجهادية. في حين يعود حزب الفضيلة بالتقليد إلى الشيخ محمد اليعقوبي، وهو الوحيد الذي أعلن مرجعيته من مدرسة السيد محمد الصدر. بينما بقي تيار السيد مقتدى الصدر (التيار الشيعي الوطني) على تقليد السيد محمد الصدر، مع الرجوع في المستحدثات إلى السيد كاظم الحائري، حتى قبل اعتزاله العمل المرجعي بسبب المرض.

وهنا يُطرح التساؤل حول حضور مرجعية السيد علي السيستاني داخل الجماعات الإسلامية الشيعية السياسية، إذ يمكن القول إن جميع هذه الجماعات تلتزم بالبعد الإرشادي لمرجعيته إلى حدود الإلزام، باعتباره المرجع الديني الأعلى، لكن على مستوى التقليد الفقهي فالموضوع مختلف، كما سيتضح في التفاصيل.

وبالعودة إلى مرجعية السيد محمد باقر الصدر الفكرية والنهضوية والحركية، فإنها تتجسد اليوم في ثلاثة أضلاع: حزب الدعوة الإسلامية الذي أسسه السيد محمد باقر الصدر، والمجلس الأعلى الإسلامي الذي أسسه قادة حزب الدعوة والسيد محمود الهاشمي والسيد محمد باقر الحكيم، والتيار الصدري الذي أسسه السيد محمد الصدر.

وتفصيل ذلك على النحو الآتي:

1- أسس السيد محمد باقر الصدر حزب الدعوة الإسلامية عام 1957 فی النجف الأشرف، وهو الحزب الذي يتزعمه رئيس وزراء العراق الأسبق نوري المالكي منذ عام 2007 وحتى اليوم. وبرغم أن الحزب يترك لأعضائه حرية التقليد الفقهي، فإنه أعلن رسمياً عام 1981 تبنیه الفقهي والفكري والسياسي مبدأ ولاية الفقيه العامة، متجسدة بالإمام الخميني، ثم بالسيد علي الخامنئي. ولا يزال جناح مهم فيه ملتزماً بولاية الفقيه العامة، فيما عادت أجنحة أخرى إلى مرجعية النجف بعد عام 2003. ويمكن القول إن حزب الدعوة هو الحزب الوحيد الذي ليست لديه مرجعية دينية رسمية، ولذلك يتوزع تقليد أعضائه حالياً على ستة مراجع دينية؛ فمنهم من بقي على تقليد السيد محمد باقر الصدر والسيد أبو القاسم الخوئي والإمام الخميني، وآخرون قلدوا السيد علي الخامنئي والسيد محمد حسين فضل الله والسيد علي السيستاني.

وقد انفصل عن تنظيم الحزب (الأم) مجاميع من “الدعاة”، وشكلوا تنظيمات دعوية مستقلة:

أ- انفصل تيار محمد هادي السبيتي – الشيخ علي الكوراني عن حزب الدعوة الإسلامية عام 1981، وتبلور عام 1983 باسم حركة الدعوة الإسلامية، التي تشعبت إلى عدة مجموعات بعد استشهاد أمينها العام رئيس مجلس الحكم الانتقالي عز الدين سليم، وليس للحركة مرجعية دينية رسمية.

ب- انفصل السيد هاشم الموسوي وعدد من القياديين والكادر عن التنظيم العام لحزب الدعوة الإسلامية عام 1999، وتبلور تنظيمهم عام 2003 باسم حزب الدعوة الإسلامية – تنظيم العراق، والقيادي الأبرز فيه حالياً نائب رئيس الجمهورية الأسبق خضير الخزاعي، ويَلتزم التيار فكرياً وسياسياً بمبدأ ولاية الفقيه العامة، بينما يعود أعضاؤه في التقليد الفقهي إلى عدة مرجعيات دينية.

ت- انفصل وزير الأمن


المسلة – متابعة – وكالات

النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

About Post Author