المسلة

المسلة الحدث كما حدث

الزيدي يتنازل عن راتبه ويقود مجلساً لهندسة الاقتصاد وإصلاح المنافذ ومكافحة الفساد

الزيدي يتنازل عن راتبه ويقود مجلساً لهندسة الاقتصاد وإصلاح المنافذ ومكافحة الفساد

24 يونيو، 2026

بغداد/المسلة:

قدّمت الحكومة العراقية الجديدة نفسها منذ أيامها الأولى بوصفها حكومة تراهن على الاقتصاد قبل السياسة، معلنة أن معركة استعادة الثقة تبدأ من حماية العملة الوطنية، وضمان الرواتب، وكسر الحلقة التاريخية التي جعلت النفط السيد المطلق للموازنة.

وفي بلد اعتاد أن تهتز أسواقه مع كل اضطراب في أسعار الخام أو تعثر في التصدير، تبدو الرسالة هذه المرة محاولة لرسم صورة مختلفة؛ فالدولة، بحسب رؤيتها الجديدة، تريد أن تنتقل من إدارة الأزمات إلى صناعة البدائل، وكأنها تحاول أن تعيد كتابة عقدها الاقتصادي مع المجتمع بلغة أكثر هدوءاً وأقل ارتهاناً للصدف.

ويأتي ذلك في وقت يواجه فيه العراق تحديات مالية فرضتها اضطرابات إقليمية أثرت مؤقتاً في ممرات الطاقة، ما دفع الحكومة إلى تقديم مقاربة تعتبر أن الاستقرار النقدي ليس مجرد أرقام في دفاتر البنك المركزي، بل هو سياج يحمي القوة الشرائية للمواطن، ويمنع انتقال القلق من الأسواق إلى البيوت. ومن هذا المنطلق، شددت الحكومة على رفض أي اتجاه نحو طباعة العملة أو تعديل سعر صرف الدولار، معتبرة أن مثل هذه الإجراءات قد تمنح حلولاً سريعة على الورق، لكنها تترك ندوباً طويلة على جسد الاقتصاد.

المتحدث باسم الحكومة، حيدر العبودي، كشف أن رئيس الوزراء علي الزيدي يقود بنفسه لجنة استراتيجية تمتد رؤيتها لعشر سنوات، تستهدف خفض اعتماد الموازنة على الإيرادات النفطية من نحو 90% إلى 45%، عبر توسيع مصادر الدخل غير النفطي، وإصلاح المنافذ الحدودية، وتعظيم إيرادات الكمارك، وتفعيل الجباية، إلى جانب رقمنة الإجراءات المالية والإدارية وتقليص منافذ الهدر والفساد، في مشروع تصفه أوساط حكومية بأنه يمثل “إعادة هندسة” للاقتصاد العراقي.

وتشير التقديرات الحكومية إلى أن الدولة مطالبة بتوفير ما لا يقل عن عشرة تريليونات دينار شهرياً لتغطية الرواتب والنفقات التشغيلية، وهو تحدٍ فرض تشكيل “مجلس الاستقرار المالي” الذي يضم البنك المركزي ووزارة المالية ومؤسسات مالية أخرى، بهدف تنسيق السياسات النقدية والمالية وإيجاد حلول داخلية، بعيداً عن اللجوء إلى الاقتراض الخارجي الذي تعتبره الحكومة خياراً مكلفاً للأجيال المقبلة.

وفي مشهد يحمل بعداً رمزياً، أعلن العبودي أن الزيدي تعهد بعدم تقاضي راتبه القانوني من الدولة، مؤكداً أن وضعه المالي لا يجعله بحاجة إليه، وأن قراره يأتي التزاماً شخصياً بعدم تحميل الخزينة أي استحقاق مالي يتعلق بمنصبه. وتقول مصادر مقربة من دوائر القرار إن هذه الخطوة تهدف إلى ترسيخ صورة مختلفة للمسؤول التنفيذي، في محاولة لتعزيز الثقة الشعبية في ظل سنوات طويلة ارتبطت فيها السلطة بامتيازات واسعة وانتقادات حادة.

ويرى مراقبون أن إعلان الزيدي عدم خوض الانتخابات المقبلة أو تأسيس حزب سياسي يمنحه مساحة أوسع لاتخاذ قرارات قد تكون صعبة أو غير شعبية على المدى القصير، لكنها تستهدف بناء إصلاحات بعيدة المدى، بعيداً عن حسابات صناديق الاقتراع. وتصف دوائر سياسية هذه المقاربة بأنها محاولة لفصل القرار الاقتصادي عن الضغوط الانتخابية، وهو أمر نادر في التجارب الحكومية العراقية خلال العقود الماضية.

ويبدو أن الحكومة تراهن على أن مكافحة الفساد لن تبدأ بالشعارات، بل بإغلاق المنافذ التي تسمح بتسرب الإيرادات. ولذلك، تركز خطتها على الأتمتة الرقمية للمنافذ الحدودية، وربط المؤسسات المالية إلكترونياً، وتشديد الرقابة على الجباية، بما يضمن انتقال الأموال إلى الخزينة العامة بدلاً من ضياعها في دهاليز الفساد الإداري والمالي.

وكأن العراق يقف اليوم عند مفترق طريقين؛ أحدهما يقود إلى مدينة من زجاج، تبدو براقة لكنها قابلة للكسر مع أول صدمة نفطية، والآخر يشبه مدينة تُبنى حجراً فوق حجر، ببطء وصبر، حتى تصبح قادرة على الوقوف فوق أرضها لا فوق برميل نفط. تلك الصورة الفانتازية تعكس الرهان الحقيقي للحكومة، التي تريد تحويل الاقتصاد من تابعٍ لتقلبات الأسواق العالمية إلى صانعٍ لهوامش أوسع من الاستقلال.

ويؤكد خبراء اقتصاد أن تجارب الدول الريعية تثبت أن تنويع مصادر الدخل لا يتحقق بقرارات إدارية فقط، بل يتطلب إصلاح البيئة الاستثمارية، وتشجيع الصناعة والزراعة، واستقطاب رؤوس الأموال، وتوفير تشريعات مستقرة، وهي ملفات ستكون الاختبار الحقيقي للجنة العشر سنوات التي يرأسها رئيس الوزراء.

 

 


المسلة – متابعة – وكالات

النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

About Post Author