المسلة

المسلة الحدث كما حدث

العراق وأمريكا… منطق الدولة و منطق المحاور؟

العراق وأمريكا… منطق الدولة و منطق المحاور؟

21 يوليوز، 2026

بغداد/المسلة:

ابراهيم العبادي

أثار الهجوم الذي شنه مستشار المرشد الإيراني ووزير الخارجية الإيراني الأسبق علي أكبر ولايتي على زيارة رئيس الوزراء العراقي إلى الولايات المتحدة، وما رافقه من حملة انتقادات تبنتها قوى عراقية تدور في الفلك الإيراني، سؤالاً قديماً يتجدد كلما دخلت العلاقات العراقية الأمريكية منعطفاً جديداً: من يمتلك حق رسم السياسة الخارجية العراقية؟ وهل ينبغي أن تبقى علاقة بغداد بواشنطن رهينة التصورات الأيديولوجية للصراع الإقليمي، أم أنها يجب أن تُبنى وفق حسابات المصلحة الوطنية العراقية وحدها؟

هذه الإشكالية ليست وليدة اللحظة، وإنما رافقت النظام السياسي العراقي منذ عام 2003، لأن القوى العراقية لم تتفق يوماً على تعريف واحد لطبيعة العلاقة مع الولايات المتحدة. فهناك قوى ما زالت تنظر إلى أمريكا باعتبارها قوة احتلال ومشروع هيمنة ينبغي مقاومته، وهي رؤية لا تنفصل عن التصور الإيراني للصراع مع الولايات المتحدة، وتعتبر نفسها جزءاً من ما يسمى بمحور المقاومة الذي يجعل إخراج القوات الأمريكية من المنطقة ومواجهة النفوذ الإسرائيلي أولوية سياسية وعقائدية تتقدم على اعتبارات الدولة الوطنية ومصالحها المباشرة.

على نقيض ذلك ، توجد قوى عراقية من مختلف المكونات السياسية ترى أن العلاقة مع الولايات المتحدة تمثل ضرورة أمنية واقتصادية واستراتيجية، ليس انطلاقاً من تبعية سياسية، وإنما من قراءة واقعية لموازين القوى الدولية. فالولايات المتحدة كانت الفاعل الدولي الأكثر تأثيراً في التحول الذي شهده العراق بعد عام 2003، وما زالت تمتلك أدوات تأثير واسعة في الاقتصاد العراقي والنظام المالي العالمي، وفي المؤسسات الدولية، وفي ملفات الاستثمار والطاقة والتسليح والتكنولوجيا. ومن ثم فإن الدخول في مواجهة مفتوحة معها لا يحقق مكاسب حقيقية للعراق، بل يضيف إلى أزماته أعباء جديدة ، يمكن أن تشمل العقوبات والقيود المالية وتعطيل فرص التنمية، في وقت يعاني فيه البلد من هشاشة اقتصادية وأمنية واضحة.

لقد تغير العالم كثيراً، وتغيرت معه مفاهيم الصراع التي سادت خلال الحرب الباردة والقرن العشرين. فخطابات مقارعة الإمبريالية والاستكبار والاستقلال الاقتصادي بالمفهوم التقليدي فقدت كثيراً من قدرتها على إنتاج رؤى عملية في البيئة الدولية الراهنة، وأصبحت في كثير من الأحيان أدوات للتعبئة الداخلية وإدارة الصراع على السلطة، أكثر من كونها برامج ناجحة لإدارة علاقات الدول الخارجية. أما الدول التي استطاعت تحقيق التنمية والاستقرار، فقد فعلت ذلك عبر توسيع شبكة مصالحها الدولية، لا عبر تقليصها لاعتبارات ايديولوجية محدودة .
إن من الخطأ أن تدعي أي قوة سياسية أو فصيل مسلح أنه يمتلك تفويضاً حصرياً لتحديد مستقبل العلاقة بين العراق والولايات المتحدة ، اعتماداً على حشود الشارع أو حملات التعبئة أو اعتبارات القوة المسلحة. فالسياسة الخارجية ليست امتيازاً لفئة، وإنما هي شأن سيادي تقرره الامة عبر مؤسسات الدولة المنتخبة ضمن الدستور، ويخضع لمعيار واحد هو المصلحة الوطنية، لا مصلحة المحاور الإقليمية أو الحسابات الأيديولوجية .

من الضروري الاعتراف بحقيقة أخرى كثيراً ما يجري تجاهلها، وهي أن الولايات المتحدة لن تغير سياساتها الإقليمية لأنها تواجه خطاباً عقائدياً رافضاً لها وانها ستترك المنطقة لان ثقافة اكثرية الجمهور مناوئة لها . فالقوى الكبرى تتحرك وفق مصالحها الاستراتيجية، لا وفق شعارات خصومها. ومن يختار الدخول في صراع مفتوح معها تحت عنوان المقاومة، ينبغي أن يكون مستعداً لتحمل كلف هذا الخيار من حصارات وعقوبات وضغوط وضربات عسكرية وأزمات اقتصادية، وهي أثمان لا يجوز تحميلها للمجتمع العراقي ما لم يكن هناك توافق وطني حقيقي عليها، وهو أمر غير متحقق.

إن العراق يحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى شراكة متوازنة مع الولايات المتحدة في مجالات الاستثمار، ونقل التكنولوجيا، وتطوير قطاع الطاقة، والتسليح، والتدريب، والتعليم، والاقتصاد الرقمي، والبنى التحتية، فضلاً عن استمرار التعاون في مكافحة الإرهاب. كما أن الاقتصاد العراقي يحتاج الى الاندماج بالنظام المالي العالمي الذي تؤدي واشنطن فيه دوراً محورياً، الأمر الذي يجعل إدارة العلاقة معها ضرورة عملية قبل أن تكون خياراً سياسياً.

إن مشاريع إعادة بناء الاقتصاد العراقي، وتنويع مصادر الدخل، وإنجاح مشروع طريق التنمية، وتعزيز موقع العراق كمركز للنقل والترانزيت والطاقة والاقتصاد الرقمي، كلها تحتاج إلى بيئة إقليمية مستقرة وإلى شبكة واسعة من الشراكات الدولية، وفي مقدمتها شراكة مستقرة مع الولايات المتحدة والدول الغربية، بما يحقق المصالح المتبادلة ويحافظ في الوقت نفسه على استقلال القرار العراقي.

ثمة حقيقة يجب ان تكون محددا ثابتا في وعي ورسم السياسة الخارجية ، وهي أن الدولة المستقلة لا ينبغي أن تجعل علاقاتها الخارجية انعكاساً لنفوذ دولة أخرى، مهما بلغت درجة التقارب معها. فالعلاقة مع إيران ينبغي أن تبقى علاقة طبيعية بين دولتين جارتين، تقوم على الاحترام المتبادل، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والتعاون الاقتصادي والأمني المشروع، لا على النفوذ الذي يصادر القرار الوطني. وبالمعيار نفسه، يجب أن تكون العلاقة مع الولايات المتحدة علاقة شراكة متوازنة، لا علاقة تبعية أو ارتهان ومصدر أثارة وقلق وجسر للعدوان على الاخرين . فالتوازن في العلاقات الخارجية لا يعني توزيع الولاءات، وإنما توزيع المصالح بما يحفظ استقلال الدولة.

والمنطقة بأسرها تعيش منذ أحداث السابع من أكتوبر وما أعقبها من حروب وتحولات استراتيجية مرحلة إعادة تشكيل لمنظومة الأمن الإقليمي. وربما تتغير التحالفات، وتُعاد صياغة موازين القوى، وتُرسم خرائط جديدة للمصالح. وفي مثل هذه اللحظات لا تستطيع الدول أن تدير سياساتها بمنطق الشعارات، وإنما بمنطق الحسابات الدقيقة لمصالحها الوطنية. وإذا بقي العراق أسيراً للاستقطابات الأيديولوجية فسوف يجد نفسه مرة أخرى خارج ترتيبات الإقليم، يدفع أثمانها من أمنه واقتصاده واستقراره.

إن التوفيق بين الثوابت العقدية أو القناعات السياسية وبين بناء علاقات متوازنة مع مختلف دول العالم ليس تناقضاً، ولا يتعارض مع أي فهم رشيد للدين أو السياسة. فالدول لا تُدار بالعواطف، وإنما بالمصالح، والسيادة لا تتحقق برفع الشعارات، وإنما بامتلاك القرار الوطني الحر، وبناء شبكة علاقات تجعل جميع الأطراف حريصة على أمن العراق واستقراره وازدهاره.

لقد آن الأوان لأن ينتقل العراق من عقلية الانحياز إلى المحاور إلى عقلية الدولة. فالعراق لا يحتاج إلى أن يكون جزءاً من صراع الآخرين، بل يحتاج إلى أن يصبح مصلحة مشتركة للجميع. وكلما نجحت بغداد في بناء علاقة متوازنة مع واشنطن، كما مع طهران وأنقرة والعواصم العربية والأوروبية وبكين وموسكو وطوكيو ونيودلهي ، على أساس التشارك والمصلحة المتبادلة، اقتربت أكثر من استعادة دورها الطبيعي دولةً ذات سيادة، لا ساحةً لتصفية الحسابات.


المسلة – متابعة – وكالات

النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

About Post Author