بغداد/المسلة: يفتح مشروع قانون استرداد عائدات الفساد والمساعدة القانونية الدولية في العراق باباً ثقيلاً في جدار الأموال المهربة، محاولاً نقل المعركة من خزائن الداخل إلى الحسابات والشركات والعقارات التي قد تكون اختبأت خلف الحدود. فالمشروع لا يكتفي بتعقب الأموال، بل يرسم مساراً للحجز والتجميد والمصادرة وطلب المساعدة القضائية الأجنبية، بما يجعل هيئة النزاهة في قلب عملية استرداد المال العام.
وتنسجم الفكرة مع توجه دولي يرى أن الفساد الكبير لا ينتهي عند صدور الحكم، لأن المال قد يواصل رحلته حتى بعد أن تتوقف الجريمة.
المفارقة العراقية أن القانون يأتي بعد سنوات من تعدد النصوص وتشتت المسؤوليات، بينما لا تزال رحلة المال المهرب تشبه متاهة بلا خريطة.
وكان مجلس القضاء الأعلى قد درس نسخاً سابقة من المشروع تضمنت فصولاً للتعاون القضائي واسترداد الأموال في الخارج والمساعدة القانونية الدولية، فيما عاد الملف إلى النقاش النيابي مراراً منذ تقديمه.
وتبدو الحاجة أكثر إلحاحاً مع اتساع ملفات الفساد الكبرى. ففي يونيو 2026 أطلق برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، بالتعاون مع مجلس القضاء الأعلى وبدعم أوروبي، دراسة جديدة حول استرداد الأصول، في إشارة إلى أن المشكلة لم تعد تشريعية فقط، بل تتعلق بقدرة المؤسسات على تحويل النصوص إلى إجراءات قابلة للإنفاذ عبر الحدود.
لكن السيف القانوني له حد آخر. فكلما اتسعت صلاحيات التعقب والكشف والحجز، ازداد السؤال السياسي صعوبة: من يضمن ألا يصبح القانون بندقية تُشهر على خصوم اليوم، بينما تختفي أسماء أصحاب النفوذ خلف ستارة الإجراءات؟ ويعكس نقاش عراقي على فيسبوك هذا القلق، إذ حذر من أن التسويات غير الشفافة قد تتحول إلى مخرج لحماية المتورطين الأكبر بدلاً من كشف الشبكات.
وتزداد حساسية المسألة مع الآليات التي تسمح بتخفيف العقوبة مقابل رد الأموال، وهي فكرة أثارت جدلاً واسعاً في العراق خلال 2026. فالمال يمكن أن يعود إلى الخزينة، لكن الجريمة لا ينبغي أن تتحول إلى معادلة حسابية تقول إن من ينجح في إخفاء ملايينه يربح، ومن يُكتشف يعيد جزءاً منها ويغادر المشهد. وقد ذهب اتجاه قضائي حديث إلى أن رد المال لا يمحو بالضرورة الأثر الجزائي للفساد الكبير.
وفي المقابل، تكشف وقائع الأشهر الأخيرة أن استرداد الأموال لم يعد شعاراً نظرياً؛ فقد أعلن القضاء العراقي في يوليو استرداد 375 كيلوغراماً من الذهب في قضيتين للفساد، إلى جانب حجز عقارات ومعامل وشاحنات بقيمة عشرات المليارات من الدنانير.
هنا يصبح القانون اختباراً للدولة أكثر منه نصاً جديداً في سجل التشريعات. فالأموال قد تكون في مصرف أوروبي أو شركة واجهة أو عقار باسم قريب، لكن العقبة الأعمق هي الإرادة السياسية التي تسمح للقضاء بمد يده إلى آخر طبقات الشبكة. وفي بلد تتراوح فيه التقديرات القديمة للأموال المهربة بين عشرات ومئات المليارات، لن يكون السؤال كم سيسترد العراق، بل من يستطيع القانون الوصول إليه حين تختبئ الأموال خلف النفوذ.
المسلة – متابعة – وكالات
النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

أخبار ذات علاقة
غضبٌ خليجيٌّ ينفجر في وجه ترامب وسط فوضى الحرب
النزاهة تضبط قرابة 9 مليارات دينار و7 سبائك ذهبية في منزل وكيل وزير الكهرباء لشؤون النقل
ألمانيا تلغي لجوء آلاف السوريين