بغداد/المسلة:
حسن الحيدري
لم تكن الصورة التي نشرها رئيس مجلس الشورى الايراني محمد باقر قاليباف خلال زيارته الى بغداد مجرد صورةعابرة فقد ظهرت خلفه خريطة تحمل تسمية الخليج الفارسي وبعدها نشر رئيس مجلس النواب العراقي هيبتالحلبوسي صورة مماثلة لكن الخريطة خلفه حملت تسمية الخليج العربي وهكذا تحولت زيارة رسمية الى سجالرمزي اعاد الى الواجهة واحدا من اقدم الخلافات السياسية والتاريخية في المنطقة
من المهم اولا التمييز بين التاريخ الجغرافي للاسم وبين الخلاف السياسي الحديث حوله
فاسم الخليج الفارسي له حضور تاريخي طويل في الخرائط والوثائق بينما تصاعد استعمال تسمية الخليج العربي فيالخطاب العربي خصوصا خلال النصف الثاني من القرن العشرين بالتزامن مع صعود القومية العربية وتغير موازينالقوى في المنطقة
لذلك فان الخلاف على الاسم لم يبدا مع صدام حسين ولم يكن في الاصل خلافا عراقيا ايرانيا فقط بل اصبح مع مرورالوقت قضية مرتبطة بالهوية والنفوذ والسياسة الاقليمية
فالعلاقة بين العراق وايران كانت تحمل خلافات حدودية عميقة وابرزها النزاع حول شط العرب
وفي 6 آذار 1975 وقع صدام حسين وكان آنذاك نائب رئيس مجلس قيادة الثورة في العراق اتفاقية الجزائر مع شاهإيران محمد رضا بهلوي بوساطة الرئيس الجزائري هواري بومدين
حيث نص الاتفاق على تسوية عدد من الخلافات الحدودية وكان من ابرز ما ترتب عليه اعتماد خط التالوك اي خطاعمق مجرى شط العرب اساسا للحدود النهرية بين العراق وايران وفي المقابل تعهدت ايران بوقف دعم التمردالكردي في العراق
وهنا فأن اتفاقية الجزائر لم تكن اتفاقية لتحديد اسم الخليج وانما كانت اساسا اتفاقا سياسيا وحدوديا بين العراقوايران ولذلك لا يصح القول ان صدام سمى الخليج بهذا الاتفاق او ان الاتفاقية حسمت مسألة الخليج العربي اوالفارسي
لان الاسم في المنطقة لم يعد مجرد مسألة لغوية بالنسبة الى إيران فإن الخليج الفارسي يرتبط بتاريخها وهويتهاالجغرافية والسياسية
وفي المقابل اصبح الخليج العربي الاسم المتداول رسميا وشعبيا في عدد كبير من الدول العربية خصوصا دولالخليج والعراق في فترات مختلفة
ولهذا فان وضع الاسم على خريطة خلف مسؤول سياسي يمكن ان يتحول الى رسالة سياسية حتى من دون ان يقولالمسؤول كلمة واحدة
وفي 19 آب الجاري نشر قاليباف خلال زيارته الى بغداد صورة تظهر خلفه خريطة تحمل عبارة الخليج الفارسيلينشر بعدها هيبت الحلبوسي رئيس مجلس النواب العراقي صورة مشابهة تظهر خلفه خريطة تحمل عبارة الخليجالعربي وجاءت صورة الحلبوسي بعد لقاء جمع الرجلين في بغداد ولذلك قرأ كثيرون الخطوتين باعتبارهما تبادلاسياسيا رمزيا للرسائل.. الحلبوسي لم يدخل في مواجهة لفظية مباشرة مع قاليباف وانما جاء الرد بالصورة نفسهاتقريبا ولكن مع تغيير الاسم وهذا ما جعل المشهد يوصف بانه رسائل صور وخرائط
الصورة تحمل دلالة سياسية واضحة فاختيار الخليج العربي من شخصية عراقية بارزة في اعقاب ظهور الخليجالفارسي خلف المسؤول الايراني يمكن فهمه بوصفه تأكيدا على الهوية العربية للعراق وعلى حساسية بغداد تجاه ايرمزية ايرانية تمس قضايا الهوية او التاريخ او الجغرافيا.ط
المفارقة ان العراق وايران خاضا لعقود صراعا حول الحدود والممرات المائية والنفوذ ووصل الخلاف الى الحربالعراقية الايرانية عام 1980
وكان صدام حسين نفسه قد اضطر الى اتفاقية الجزائر عام 1975 في ظروف صعبة ثم اعلن العراق الغاءها عام1980 قبل اندلاع الحرب العراقية الايرانية ومع ذلك عادت قضية الحدود وشط العرب لاحقا الى اطار التسوية
وبالتالي فان صورة قاليباف والحلبوسي في بغداد عام 2026 لا تعني ان البلدين عادا الى صراع حدودي لكنها تكشفان الرموز التاريخية والجغرافية ما زالت قادرة على انتاج رسائل سياسية قوية بين العراق وايران
فالقصة نتيجة تراكم تاريخي طويل تداخلت فيه الجغرافيا والتاريخ والهوية والقومية والصراع على النفوذ
اما اتفاقية الجزائر عام 1975 فهي فصل مهم في التاريخ العراقي الايراني لكنها لم تحسم تسمية الخليج
واليوم وبعد نشر قاليباف خريطة تحمل الخليج الفارسي من بغداد ثم رد الحلبوسي بخريطة تحمل الخليج العربيفان المشهد اعاد الى الواجهة ذلك التاريخ كله في صورتين متقابلتين صورة ايرانية تؤكد رواية طهران وصورة عراقيةتؤكد التسمية العربية
وهنا تكمن اهمية ماحصل حيث لم تكن المعركة على الخريطة فقط بل على من يملك حق تعريف المكان ورمزيتهوهويته السياسية.
المسلة – متابعة – وكالات
النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

أخبار ذات علاقة
ضربات أمريكية جديدة وقاليباف يهدد برد عسكري
حلف مكة وشنغهاي.. تحالفات موازية تعيد تشكيل خريطة النفوذ الإقليمي
النزاهة: صدور قرارَي حكم بحق مسؤولة سابقة بالتسجيل العقاري في كركوك