بغداد/المسلة:
محمود الهاشمي
مسرحية تضع ظاهرة الهجرة أمام سؤالها الأكثر إيلاماً: لماذا يترك الإنسان وطنه، ومَن الذي يدفعه إلى الرحيل؟.
لم تكن زيارتي الأخيرة إلى مسرح الرشيد في بغداد مجرد موعد عابر مع عرض مسرحي، بل بدت لي، بعد انقطاع عن متابعة المسرح، فرصة لاستعادة صلة قديمة بخشبة المسرح وما تفتحه من أسئلة تتجاوز حدود العرض الفني.
كنت يوم الخميس الفائت في زيارة لمعرض بغداد الدولي بمعية الدكتور محمد الكحلاوي، الذي أبلغني بأنه مدعو لمشاهدة عرض مسرحي على خشبة مسرح الرشيد، متمنياً أن نشاهد العمل معاً. لم أتردد، ووجدت في الدعوة فرصة لمعاودة متابعة الأعمال المسرحية، التي لطالما كانت بالنسبة لي مساحة للتأمل في قضايا الإنسان والمجتمع.
دخلنا الصالة متأخرين قليلاً، وكانت الإضاءة المسرحية تكشف عن ممثلين اثنين يتحركان حول هيكل لسفينة، فيما يدور بينهما حوار يتأرجح بين حلم الهجرة وصرامة الحقيقة.
منذ اللحظات الأولى، لم يحتج العرض إلى كثير من الشرح حتى يصل إلى فكرته الأساسية: هناك إنسان ضاق عليه قميص وطنه، فلم يعد يرى فيه المكان الذي يستطيع أن يحقق فيه حريته أو يؤمّن لنفسه حياة أفضل، فبدأ يبحث عن وطن آخر، أو عن صورة متخيلة لوطن آخر.
هنا تختصر المسرحية دوافع الهجرة في مطلبين أساسيين: الحرية، وتحسين مستوى المعيشة.
لكن اللافت أن الكاتب لم يجعل الرغبة في الهجرة مرتبطة بطبقة اجتماعية دون أخرى، أو بفئة محددة من الناس؛ فالمهاجر في هذا العمل يمكن أن يكون عامل نظافة، أو عاملاً في مصنع، أو فلاحاً، أو متعلماً. إنها ليست رغبة فرد معزول عن محيطه، وإنما ظاهرة تتسع لتشمل مجتمعاً بأكمله، بل ربما شعوباً بأكملها.
السفينة.. وطن عابر
في منتصف الخشبة، كانت السفينة أكثر من مجرد قطعة ديكور. تحولت إلى رمز مكثف لرحلة آلاف البشر الذين غادروا أوطانهم، ووضعوا أرواحهم في مواجهة البحر، بحثاً عن شاطئ آخر.
تلك السفينة تختصر حكايات كثيرة؛ أناس عبروا ونجوا، وآخرون ابتلعتهم المياه قبل أن يصلوا إلى «العالم الحلم». وبين النجاة والغرق تتوزع حكايات المهاجرين، بما تحمله من خوف وفقدان وأمل وانتظار.
وكان حضور المرأة في العمل استكمالاً لهذه الصورة؛ فهي ليست متفرجة على رحلة الهجرة، وإنما شريكة في تجربتها وأعبائها ومخاطرها، بما تمثله من آلاف النساء اللواتي خضن الطريق نفسه بحثاً عن الأمان والحياة الأفضل.
ومن هنا يخرج السؤال الأول الذي تطرحه مسرحية الدكتور محمد حماد: لماذا نهاجر؟ وما الثمن الذي ندفعه مقابل الهجرة؟
ثم يأتي السؤال الأشد قسوة: من المسؤول عن أن يصبح الرحيل خياراً، وأن يصبح الوطن مكاناً يرغب الإنسان في مغادرته؟
الإنسان.. ابن المكان
ربما لا توجد علاقة أكثر تعقيداً من علاقة الإنسان بالمكان الذي ولد فيه. فالإنسان، منذ بدايات وجوده، لم يكن مجرد كائن يعيش على الأرض، وإنما كائن يصنع ذاكرته منها، ويربط حياته بتفاصيلها وأصواتها وروائحها ووجوهها.
فالإنسان يألف الأرض التي يعيش عليها، حتى وإن كانت قاسية، ومع مرور الزمن تتحول القسوة نفسها إلى جزء من الألفة.
يقول الشاعر:
وكنّا ألفناها ولم تكُ مالفاً
وقد يؤلفُ الشيءُ الذي ليس بالحسنْ
كما تؤلفُ الأرضُ التي لم يطبْ بها
هواءٌ ولا ماءٌ ولكنها وطنْ
ولعل هذا ما يفسر ذلك الحضور الطاغي للمكان في الشعر العربي القديم. فقد كان الرحيل وفقدان الأحبة من أكثر ما يؤرق إنسان الصحراء، ولذلك كان شعراء الجاهلية يستهلون قصائدهم بالوقوف على الأطلال واستعادة الأمكنة، وكأن استحضار المكان محاولة لمقاومة الفقد.
ولا أحد يستطيع أن يحدد بدقة سر تعلق الإنسان بوطنه. وقد تناولت كتب كثيرة علاقة الإنسان بالمكان، ومن بينها كتاب «جماليات المكان» للفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار، بترجمة الراحل غالب هلسا. لكن، رغم اختلاف المقاربات، تبقى هناك حقيقة يصعب إنكارها: ثمة فطرة تدفع الإنسان إلى الحنين إلى المكان الذي نشأ فيه، وإلى الدفاع عنه، وإلى الاعتقاد بأن وطنه هو الأجمل، وأن البيت الذي ولد فيه هو الأبهى.
عندما يصبح الرحيل قسراً
لم تتوقف هجرة الإنسان عن أرضه عبر التاريخ، كما لم يتوقف ألم الغربة. غير أن للهجرة وجوهاً متعددة، وليس كلها سواء.
فثمة من يهاجر بحثاً عن المعرفة، أو العمل، أو المغامرة، أو فرصة جديدة، لكن أقسى أشكال الهجرة هو أن يُدفع الإنسان إلى مغادرة وطنه دفعاً؛ بفعل القمع والاستبداد، أو الحرب، أو الفقر والعوز، أو انعدام الأمان، أو فقدان الأمل بالمستقبل.
وعندما يصل الإنسان إلى اللحظة التي يرى فيها أن حياته خارج وطنه يمكن أن تكون أفضل من حياته داخله، فإن السؤال لا يعود متعلقاً بالمهاجر وحده، وإنما يتحول إلى سؤال عن الوطن والسلطة والمجتمع والاقتصاد، وعن الأسباب التي جعلت الرحيل أكثر إغراءً من البقاء.
وخلال العقود الأخيرة شهد العالم موجات واسعة من الهجرة، خصوصاً من مناطق في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، نتيجة الحروب والأزمات الاقتصادية والسياسية والتدخلات الخارجية، فضلاً عن تفاوت فرص العمل ومستويات المعيشة بين الدول.
ولا يمكن فصل تاريخ الهجرة عن تاريخ الاستغلال الاستعماري؛ فواحدة من أبشع صورها تمثلت في اقتياد ملايين الأفارقة قسراً إلى الأمريكيتين، واستخدامهم عبيداً في مزارع المستعمرين. وهي صورة تذكّرنا بأن حركة البشر عبر التاريخ لم تكن دائماً اختياراً حراً، بل كانت في كثير من الأحيان نتيجة للقوة والإكراه.
«العالم الحلم».. هل يغيّر الإنسان؟
ربما كانت أكثر لحظات المسرحية دلالة تلك التي يجد فيها أحد شخوصها نفسه، رغم وصوله إلى «العالم الحلم» الذي كان يتطلع إليه.
لقد تغير المكان، لكن الإنسان لم يتغير.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى التي تضعها المسرحية أمامنا: هل يستطيع الإنسان أن يهرب من أزمته بمجرد أن يغيّر جغرافيا وجوده؟
قد يصل المهاجر إلى المكان الذي حلم به، لكنه يحمل معه ذاكرته وخوفه وأسئلته وحنينه، وربما يحمل أيضاً الأسباب التي دفعته إلى الرحيل.
ولهذا تبدو عبارة «وجدت نفسي أشبه بنفسي» أكثر من مجرد جملة مسرحية؛ إنها تختصر مأزقاً إنسانياً عميقاً: قد يغادر الإنسان وطنه، لكنه لا يستطيع بالضرورة أن يغادر نفسه.
المسرح يفتح السؤال.. ولا يغلقه
لست في وارد تقديم قراءة نقدية فنية لمسرحية «الهروب في اتجاهين»، فهذا شأن المختصين في النقد المسرحي، لكن الانطباع الذي خرجت به يشير إلى نص يمتلك حبكة واضحة، وأداء تمثيلياً لافتاً، وتوظيفاً موفقاً لعناصر العرض من الإضاءة والصوت والموسيقى والديكور والأزياء.
غير أن القيمة الأهم في العمل، بالنسبة لي، لا تكمن فقط في الجانب الفني، وإنما في قدرته على نقلنا من مقاعد المتفرجين إلى موقع السؤال.
فنحن أمام أزمة إنسانية كبرى اسمها الهجرة؛ أزمة يغامر فيها الإنسان بحياته، ويضع مستقبله ومصيره في المجهول، أملاً في الوصول إلى حياة أخرى، قد تكون أفضل، وقد تكون مجرد صورة صنعها اليأس.
والأخطر أن كثيراً من المعالجات ما زالت عاجزة عن الوصول إلى جذور المشكلة. فكم من إنسان غادر وطنه، وكم من أسرة فقدت أحد أفرادها في طريق الهجرة، وكم من سفينة حملت حلماً وانتهت إلى مأساة؟
لهذا لا ينبغي أن يبقى موضوع الهجرة أسيراً للأرقام والتقارير والبيانات، بل يحتاج إلى أن يتحول إلى قضية إنسانية حاضرة في المسرح والسينما والتلفزيون والرواية والفنون كافة.
نحن بحاجة إلى أعمال درامية أكثر تحكي ألم المهاجرين، لا لكي تدينهم، وإنما لكي تفهم لماذا غادروا. أعمال تعيد طرح السؤال من جذوره: ما الذي يجعل الإنسان يفضل البحر المجهول على اليابسة التي ولد عليها؟
فالمطلوب ليس أن نمنع الإنسان من الحلم بحياة أفضل، وإنما أن نجعل وطنه قادراً على أن يمنحه تلك الحياة.
عندها فقط قد تتغير المعادلة، فلا تصبح السفينة هي الطريق إلى المستقبل، ولا يكون «العالم الحلم» بالضرورة خلف البحر.
وعندها أيضاً، ربما، يصبح الوطن مكاناً يمكن للإنسان أن يحلم فيه… لا مكاناً يحلم بالهروب منه
*مدير مركز الاتحاد للدراسات الاستراتيجية
المسلة – متابعة – وكالات
النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

أخبار ذات علاقة
لقاء الحكمة والحكومة يضبط الايقاع: رسم أولويات الخدمات ومكافحة الفساد لا الاكتفاء بالشعارات
إيران ستقيم “منطقة محظورة” قرب مضيق هرمز
نقابة الصحفيين تفتح الباب… هويات جديدة لأصحاب المهنة.. وورشة الذكاء الاصطناعي تضع الصحفي أمام سؤال المستقبل