بغداد/المسلة: رئاسة الادعاء العام طالبت برفع الحصانة عن النائب جاسم محمد علي الخفاجي، ومثل هذا الإجراء لا يحدث من فراغ، بل عن قضية تستدعي التحقيق أمام القضاء.
لا نستبق الأسباب، وقد تكون القضية متعلقة بفساد أو تزوير أو غير ذلك، لكن الحكم في النهاية للقضاء.
لكنها تذكرنا بسجل غريب لهذا النائب الذي “يداوم” في الفيسبوك أكثر من النواب، رافعا سيف الانتقام أي مشروع استثماري، لاسيما تلك التي تطور تقنيات البلد في الإدارة والتعاملات، والخدمات ذات الصلة المباشرة بالمواطن.
فالخفاجي لم يترك، بحسب ما يظهر من تصريحاته، مشروعا إلا وهاجمه، ولا فرصة استثمارية إلا وأحاطها بعلامات الاستفهام، من تضخم الكلفة إلى التقصير وشبهات أخرى، حتى بدا في اغلب خطاباته وكأنه ليس مجرد نائب يراقب، بل آخر حارس للنزاهة في العراق، وكأن البلاد خلت من أجهزة رقابية وقضاء ولجان تدقيق، ولم يبق سوى ميكروفونه.
الرجل الذي صعد إلى البرلمان من بوابة تشرين، ثم ابتعد عمن رشحوه ، لم تبرز في صورته العامة إنجازات عملية توازي الضجيج المنبعث منه، بقدر ما برز صوت مرتفع ضد هذا المشروع أو ذاك، وضد هذه الفرصة الاستثمارية أو تلك.
وهنا تبدأ الأسئلة التي لا تجيب عنها الهوسة على فيسبوك.
حين يصبح الاعتراض هو النشاط الأبرز، وحين يتحول كل مشروع تحديثي إلى شبهة، وكل مستثمر إلى متهم ، وكل عقد إلى ملف يصلح للترند، فمن حق الناس أن تسأل: أين تنتهي الرقابة وتبدأ العرقلة؟.
من مهاجمة المطور العقاري، إلى قانون الاستثمار، إلى معمل العلامات المرورية، مرورا بأتمتة التعليم العالي “HEPIQ”، وغرامات المرور، وعقد الجوازات، يتكرر نمط واحد في الخطاب: مشروع حديث يدخل، فتخرج معه راية الشك؛ فرصة استثمارية تظهر، فيظهر معها الاتهام؛ محاولة للأتمتة والتحديث، فتبدأ الأسئلة قبل أن تبدأ دراسة الجدوى.
الرقابة الحقيقية لا تخاف من الأرقام، ولا تكتفي بالهتاف، ولا تجعل من كاميرا الهاتف محكمة، ولا من منشور فيسبوك حكما نهائيا.
والأخطر أن العراق ليس بلدا يحتمل تعطيل كل فرصة استثمارية بحجة الاشتباه. بلد يحتاج إلى الطرق والمصانع والتحول الرقمي والمدن والخدمات، يحتاج إلى المستثمر بقدر حاجته إلى الرقابة عليه. فليس كل مستثمر لصا، وليس كل مشروع فاسدا، كما أن ارتداء عباءة النزاهة لا يمنح صاحبها حصانة أخلاقية من النقد.
النائب الذي يضع نفسه باستمرار في موقع النزيه الوحيد، عليه أن يقبل بالسؤال المعاكس: إذا كان كل مشروع مشبوها، وكل استثمار قابلا للاتهام، وكل تحديث يستحق التعطيل، فمن يحاسب من يعطل؟.
النائب الذي ينتمي إلى كتلة سياسية سبق أن قدمت نفسها للجمهور بوصفها ممثلة للمرجعية الدينية، لخداع الناس، يمكنك تخيل مستوى سلوكيات نوابها.
في العراق، أسهل شيء أن ترتدي قميص النزاهة وتجلس في مدرج الاتهام.
والأصعب أن تقدم دليلا، وتترك مشروعا صالحا يمر، وتثبت أنك لا تبحث عن خصم أمام الكاميرا، بل عن خلل يستحق الإصلاح.
المسلة – متابعة – وكالات
النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

أخبار ذات علاقة
جيب المواطن خزينةً بديلة للدولة
القضاء يطالب البرلمان برفع الحصانة عن النائب محمد الخفاجي
نوبل الآداب للكاتبة الكندية آن كارسون