بغداد/المسلة:
حسن آل سلطان
الحديث والتركيز على أن نختزل أزمة سعر الصرف في حكومة واحدة كما ليس من الدقة والانصاف أن نضع كل ما وصل إليه الاقتصاد العراقي المتردي اليوم على عاتق حكومة علي الزيدي وحدها. فهذه الحكومة ورثت تركة اقتصادية ثقيلة تراكمت عبر حكومات متعاقبة وكان النفط فيها هو العمود الفقري للموازنة بينما بقيت بقية أعمدة الاقتصاد ضعيفة أو مؤجلة.
لكن الإنصاف نفسه يفرض علينا ألا نتعامل مع المواطن وكأنه الحلقة التي يمكن شدّها كلما ضاقت الموازنة.
في عهد الكاظمي جرى تخفيض قيمة الدينار في نهاية 2020، وحدد البنك المركزي آنذاك سعر شراء الدولار من وزارة المالية بـ1450 دينارًا وبيعه للمصارف بـ1460، وللجمهور بـ1470. والبنك المركزي ربط القرار صراحةً بالعجز المالي والحاجة إلى توفير موارد كافية للموازنة وضمان دفع الرواتب والنفقات الحكومية.
ثم جاءت مرحلة تحسنت فيها أسعار النفط وحقق العراق بالفعل فائضًا ماليًا في 2021 وفق البنك الدولي، كما أعلن البنك المركزي لاحقًا أن تغيير سعر الصرف ساهم في خفض عجز الموازنة والوصول إلى فائض لكن من جيب المواطن العراقي في نهاية ذلك العام.
لكن هنا ينبغي أن نتوقف قليلًا.
الفائض المالي شيء والقوة الشرائية للمواطن شيء آخر.
فحين تقول الدولة إنها وفرت مليارات إضافية للموازنة بسبب سعر الصرف يجب أن يُطرح السؤال الآخر
كم خسر المواطن من القيمة الحقيقية لدخله؟
على حساب نفقاته التي تغيرت بارتفاع كلفة السلع المستوردة .
وكم دفع الموظف والمتقاعد المسكين وصاحب الدخل المحدود من قوته الشرائية حتى تستعيد الخزينة توازنها
لا يعني ذلك أن حكومة الكاظمي أتت بمعجزة بل إن عملية التدوير جرت من الرواتب وبعض الأمور الأخرى وهذا لا نود أن نقول من خلاله أن القرار كان بلا مبررات
بل نقول إن الإجراء الذي اتخذ لم يكن استراتيجية ورؤية اقتصادية شكلت منعطف في الاقتصاد العراقي بل هو بالشكل البسيط أن خفض قيمة الدينار يعيد توزيع الكلفة بين الدولة والمواطن وجعل الفائض يصب في مصلحة الحكومة لتغطية نفقات الدولة خصوصًا عندما تكون دخول شريحة واسعة من السكان مثبتة بالدينار بينما تعتمد البلاد بشدة على الاستيراد.
والأخطر أن المشكلة لم تُحل من جذورها.
اليوم، ومع القرار الجديد في عهد علي الزيدي، أصبح سعر الدولار للجمهور 1520 دينارًا، فيما حُدد سعر شراء وزارة المالية عند 1500 دينار، وبيع الدولار للمصارف عند 1510. ورويترز وصفت الإجراء بأنه استجابة مالية لصدمة تراجع إيرادات النفط، مع تحذير اقتصادي واضح من أنه سيزيد كلفة الاستيراد ويخفض القوة الشرائية للأسر.
وهنا لا ينبغي أن نحمّل الزيدي وحده وزر الماضي.
هو لم يصنع الدولة الريعية، ولم يخترع اعتماد العراق على النفط، ولم يضع وحده نظامًا اقتصاديًا يعيش على بيع الخام ثم يعود إلى المواطن عند أول أزمة لكن يحاول بصورة مبسطة وسريعة لتوفير شيء لإدارة عجلة الدولة لحين مرور الأزمة الإقليمية والدولية .
لكن هذا لا يعني أن القرار فوق النقد.
فالخطأ يصبح أكثر خطورة عندما تتحول أسهل الحلول إلى أكثرها تكرارًا .
بدل أن نبحث عن موارد جديدة نعيد حساب الدولار وبدل أن نوسع الصناعة نعيد تسعير العملة وبدل أن نصلح الضرائب والجمارك نترك المواطن يواجه ارتفاع الأسعار وبدل أن نبني قطاعًا خاصًا منتجًا نبقى ننتظر ما تدره براميل النفط.
هذه هي المعضلة الحقيقية.
العراق لا يعاني من فقر الموارد وإنما من ضيق الرؤية الاقتصادية أمام وفرة الموارد.
البنك الدولي نفسه حذر مرارًا من أن اعتماد العراق الشديد على النفط يجعله عرضة لتقلبات الأسعار والصدمات وأن القطاعات غير النفطية والإصلاحات الهيكلية لم تتقدم بما يكفي وفي بياناته الحديثة يمثل النفط نسبة ضخمة من الناتج والإيرادات الحكومية والصادرات السلعية.
لذلك فإن السؤال الذي يجب أن يوجه إلى الحكومة ليس فقط كم سيوفر تغيير سعر الصرف؟
بل ماذا ستفعلون بهذه الأموال؟
إذا كان المواطن سيتحمل ارتفاع الأسعار فمن حقه أن يرى مقابل ذلك اقتصادًا أكثر إنتاجًا وفرص عمل حقيقية وصناعة وطنية وزراعة قادرة على المنافسة ونظامًا ضريبيًا عادلًا وجمارك منضبطة واستثمارًا منتجًا وإنفاقًا عامًا لا يبتلع الإيرادات بلا عائد.
أما أن تتكرر المعادلة نفسها انخفاض إيرادات النفط ثم ضغط على الموازنة ثم تغيير سعر الصرف ثم ارتفاع الأسعار ومطالبة المواطن بالصبر فهذه ليست سياسة اقتصادية مكتملة بل تدوير للأزمة.
والمواطن العراقي ليس رقمًا في جدول الموازنة.
هو الموظف الذي ينتظر راتبه والمتقاعد الذي يحسب مصروفه يومًا بيوم والعامل الذي لا يملك راتبًا ثابتًا وصاحب المشروع الصغير الذي يخشى ارتفاع كلفة بضاعته والأسرة التي تكتشف أن الراتب نفسه الذي كان يكفيها في السابق أصبح عاجزًا عن شراء الحاجات ذاتها.
أما الحديث عن الفائض وحده فيجب أن يكون أكثر دقة.
فالبنك المركزي نفسه أوضح في 2020 أن الاحتياطيات الأجنبية ليست أموالًا فائضة بالمعنى المحاسبي فهي أصول أجنبية تشكل جزءًا من الغطاء النقدي وتُستخدم للحفاظ على الاستقرار النقدي كما أن الفائض المالي الحقيقي هو أن تتجاوز إيرادات الحكومة نفقاتها.
ولهذا لا ينبغي أن يتحول الحديث عن الفائض إلى رواية سياسية مبسطة تقول إن خزينة الدولة امتلأت ثم جاء من بعدها من بددها. الحقيقة أكثر تعقيدًا، والمسؤولية تراكمية.
الكاظمي ورث أزمة وحاول أن يعالج ولو بالشكل البسيط رغم قصر المدة والسوداني ورث ما تراكم بعدها وكان هناك أموال لكن لم تكن هناك رؤية اقتصادية حقيقية والزيدي ورث الاثنين وما قبلها ومعهما ظرف اقتصادي أكثر تعقيدًا وحرب إقليمية وصراعات دولية في مضيق هرمز
لكن الحكومات لا تُحاسب فقط على ما ورثته بل على الطريقة التي تختار بها إدارة ما ورثته.
ومن هنا يجب أن يكون النقد موجّهًا إلى منهج اقتصادي كامل لا إلى شخص واحد.
لقد حان الوقت لكي يتوقف العراق عن التعامل مع النفط باعتباره قدرًا اقتصاديًا ومع المواطن باعتباره احتياطياً مالياً عند الحاجة.
فالدولة التي تعجز عن تنويع اقتصادها ثم تعوّض عجزها من القوة الشرائية للمواطن قد تستطيع أن تُحسّن أرقام الموازنة مؤقتًا لكنها لا تكون قد عالجت الاقتصاد.
فالخزينة التي تمتلئ بينما يفرغ جيب المواطن ليست قصة نجاح كاملة إنها مجرد نقل للعجز من دفتر الدولة إلى مائدة الأسرة.
المسلة – متابعة – وكالات
النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

أخبار ذات علاقة
من يوقف “نائب الفرملة”: كل مشروع متهم وكل استثمار مشبوه؟
القضاء يطالب البرلمان برفع الحصانة عن النائب محمد الخفاجي
نوبل الآداب للكاتبة الكندية آن كارسون