بغداد/المسلة: يسير العراق في مسار تناقضي يُشبه السير على حبل مشدود؛ فالدولة التي تقف على بحيرة نفط وتحتل موقعًا متقدمًا في منظمة “أوبك” تجد نفسها عاجزة عن تزويد مواطنيها بالكهرباء بصورة مستقرة، حيث تراجعت بنية الطاقة بفعل سوء الحوكمة، وتبخر الاستثمارات، وتراكم الإخفاقات الإدارية.
ويتفاقم هذا التناقض مع حلول كل صيف، إذ تتجاوز ذروة الطلب على الكهرباء ضعف القدرة الإنتاجية المتاحة، مما يدفع المواطنين للبحث عن حلول ذاتية؛ فبينما تتأرجح الشبكة الوطنية بين الأعطال والانقطاعات، تبدأ الشمس – الخصم الحارق – بالتحول إلى حليف محتمل عبر تقنيات الألواح الشمسية.
ويبدو أن الطاقة الشمسية لم تعد ترفًا بيئيًا أو خيارًا نخبويًا، بل ضرورة وجودية لشرائح واسعة من العراقيين. فالمزارع عبد الله العلي، الذي كان يدفع قرابة مليون دينار شهريًا لفواتير الكهرباء، استطاع تخفيضها إلى أقل من عُشر هذا الرقم بعد تركيب الألواح، مشيرًا إلى استقرار الخدمة ومردودها المجدي.
وفي المناطق الريفية، تنمو هذه التجربة كحل واقعي لتشغيل أنظمة الري وتلبية الاحتياجات اليومية، بعيدًا عن تعقيدات الشبكة الوطنية.
وتتحول الشمس إلى رأسمال متاح للجميع، لكن بثمن ابتدائي مرتفع. فمتوسط تكلفة النظام الشمسي يتراوح بين 5 و10 ملايين دينار، وهو مبلغ يفوق القدرة الشرائية للكثيرين، وإن كان يُعوَّض خلال ثلاث سنوات وفق حسابات المستخدمين. وهنا تظهر الحاجة إلى دعم مؤسسي، حيث بدأت الحكومة بتوفير قروض منخفضة الفائدة، في محاولة لدمج هذا التوجه في سياسات الطاقة المستدامة.
ويُلفت خبراء الطاقة إلى أهمية دمج هذه الأنظمة ضمن البنية الكهربائية الوطنية، إذ إن الاعتماد الكامل على أنظمة منفصلة قد يعمق أزمة “الجزُر الكهربائية” ويؤجل الحل الجذري. ومع ذلك، فإن هذه الخطوة تمثل فتحًا شعبيًا في مسار الاعتماد على الذات وتخفيف انبعاثات الكربون، وربما تشكل النواة الأولى لما يمكن أن يكون مستقبل الطاقة في العراق.
وقال المواطن علي العبدلي: “ما نحتاجه ليس فقط كهرباء باردة، بل دولة تدفئنا بثقة واستقرار… الطاقة الشمسية أعطتنا شيئًا من الكرامة التي سُلبت حين انقطعت الكهرباء عشرين عامًا”.
ورأى الخبير في السياسات البيئية سعد الخفاجي أن ما يحدث في العراق هو انتقال قسري نحو الطاقة المتجددة بسبب عجز النظام التقليدي، داعيًا إلى “تأميم الطاقة الشمسية” ضمن تخطيط وطني، كي لا تتحول إلى سوق فوضوي آخر يراكم الانقسام بين من يملك ومن لا يملك.
اطرح سؤالك على ChatGPT
المسلة – متابعة – وكالات
النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

أخبار ذات علاقة
فضائيات عربية: السوداني يتوسط لعقد لقاء بين توم باراك ونوري المالكي لتوضيح وجهات النظر بين الطرفين
داعش يتبنى هجومين ضد الجيش السوري بعد وصف الشرع بالمرتد
الكهرباء تنوي ارسال وفد لايران لاستعادة الغاز