بغداد/المسلة: تبدو المقارنة بين دول متقدمة اقتصاديا والعراق مثيرة من حيث حجم الجهاز الحكومي والعبء المالي الواقع على خزينة الدولة. ففي هولندا، الدولة التي يصفها كثير من المراقبين بأنها رأسمالية منضبطة ومرنة، يقف عدد الموظفين الذين يتقاضون رواتبهم من الخزينة العامة عند حدود مليون موظف فقط، وهو رقم يمثل نحو اثني عشر في المئة من إجمالي القوى العاملة في البلاد، ويُدار عبر منظومة مركزية رشيدة تشمل الوزارات والبلديات والشرطة والتعليم الممول من الدولة، في حين كشفت اللجنة المالية في مجلس النواب العراقي، عن وجود أكثر من 10 ملايين مواطن يتقاضى راتباً شهرياً من الدولة حيث وزارة المالية تؤمن شهريا 8 تريليونات دينار كرواتب للموظفين والمتقاعدين َوالمشمولين في شبكة الحماية الاجتماعية.
و يبلغ عدد الموظفين الذين يتقاضون رواتبهم من الدولة بلغ أكثر من 4.2 مليون موظف، فيما عدد المتقاعدين أكثر من 3 ملايين متقاعد، والمشمولين بشبكة الحماية الاجتماعية يتجاوز 3 ملايين شخص.
وهذ يعني ان العدد الكلي يصل 10.5 مليون مستفيد يتقاضون رواتبهم من الدولة.
و تعكس هذه النسبة المحدودة فلسفة الدولة الليبرالية التي ترى في القطاع الخاص المحرك الأهم للاقتصاد، بينما تظل الدولة ضامنة للخدمات الأساسية من أمن وتعليم وإدارة عامة.
ويُنظر في القاموس السياسي الأوروبي إلى هذه التركيبة بوصفها تجسيداً لما يسمى “الدولة الرشيقة”، حيث تتولى السلطة مهامها السيادية وتترك ما تبقى للسوق وللمجتمع المدني.
و على النقيض، تكشف أرقام اللجنة المالية في مجلس النواب العراقي عن واقع مختلف تماماً، إذ يتجاوز عدد المستفيدين من الرواتب الشهرية التي تدفعها الدولة عشرة ملايين ونصف المليون مواطن، ما بين موظف ومتقاعد ومشمول بشبكة الحماية الاجتماعية.
ويُظهر هذا الرقم أن أكثر من ربع سكان العراق يرتبطون مباشرة بالخزينة العامة، وهو ما يضع الدولة في قلب ما يسمى “الاقتصاد الريعي” حيث يتحول النفط إلى المصدر شبه الوحيد لتمويل الرواتب.
و يفرض هذا التناقض قراءة سياسية تتجاوز الأرقام إلى البنية الاقتصادية والاجتماعية.
ففي العراق، تؤمن وزارة المالية ما يقارب ثمانية تريليونات دينار شهرياً لتغطية الرواتب، اعتماداً على إيرادات نفطية تقدر بستة مليارات دولار شهرياً. وهنا يتضح أن الاستقرار الاجتماعي مرتبط بقدرة الحكومة على تأمين هذه الأموال، مما يجعل السياسة المالية رهينة لتقلبات أسعار النفط وسوق الطاقة العالمي.
و تكشف المقارنة أن هولندا لا تحتاج إلى تضخم جهازها الوظيفي كي تحافظ على الاستقرار السياسي والاجتماعي، بل توازن بين القطاعين العام والخاص ضمن إطار دولة الرفاه الحديثة، بينما يظل العراق أسير معادلة معقدة: كتلة رواتب هائلة تمتص القسم الأكبر من الموازنة، واقتصاد يفتقر إلى التنويع، ومجتمع لا يجد بديلاً عن الدولة كصاحب عمل أول وآخر.
المسلة – متابعة – وكالات
النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

أخبار ذات علاقة
مسيرة تستهدف قنصلية الامارات في كردستان العراق
تأجيل اجتماع الاطار رغم اتفاق الأغلبية على التجديد لولاية السوداني
غلاة المحافظين يصطفون خلف الزعيم الإيراني الجديد وقلق بالأسواق