المسلة

المسلة الحدث كما حدث

فضائح جزيرة أبستين… سؤال المسؤولية المتقدم

فضائح جزيرة أبستين… سؤال المسؤولية المتقدم

8 فبراير، 2026

بغداد/المسلة: نعمه العبادي

ترافق الإفصاحات المتتالية عن وثائق جزيرة أبستين موجة واسعة من النقاشات والكتابات والتعليقات التي اجتاحت المجال العام الغربي والعالمي على حد سواء.

رغم أن هذه القضية ليست جديدة في جوهرها، فإن لحظتها الراهنة تتسم باتساع غير مسبوق في دائرة التداول، إذ انتقلت من نطاق التحقيقات الجنائية والإعلامية المحدودة إلى فضاء الجدل المجتمعي المفتوح، حيث أصبحت حديث النخب والرأي العام معا. غير أن هذا الاتساع، على أهميته، ينطوي على مفارقة معقدة؛ فالتضخم المتواصل للنقاشات قد يقود أحيانا إلى تفتيت مركز القضية وتشتيت بعدها الأخطر، عبر تحويلها إلى سلسلة من الانفعالات المتكررة التي تفقد بريقها تدريجيا بفعل التكرار والتشبع العاطفي.

ومن هنا تبدو الحاجة ملحة إلى مسارين متوازيين في تناول القضية: مسار عام يضعها أمام الرأي العام بوصفها حدثا أخلاقيا وقانونيا صادما، ومسار آخر أكثر عمقا يركز على بنيتها الخطرة وأسئلتها الوجودية والسياسية.

وفي هذا الإطار، تحاول هذه المقالة الاشتغال ضمن المسار الثاني، عبر نقل النقاش من حدود الفضيحة إلى أفق مساءلة البنى التي أنتجتها.

ليس جديدا في التاريخ اقتران السلطة بالفساد، كما لم يكن تحالف المال والنفوذ السياسي ظاهرة عابرة أو استثناء حضاريا، فالسجل التاريخي لمراكز القوة، في الغرب كما في الشرق، حافل بقضايا استغلال الجسد والجنس بوصفهما أداتين للهيمنة والابتزاز وبناء شبكات الولاء، ومن يطالع تاريخ النخب السياسية والاقتصادية في العالم الحديث سيجد أن مثل هذه الفضائح لم تكن أحداثا طارئة، بل انعكاسات متكررة لطبيعة العلاقات المركبة بين القوة والامتياز واللامساءلة.

إن ما يجعل فضائح أبستين مختلفة نوعيا لا يكمن في وقوع الجريمة بحد ذاتها، بل في طابعها الجماعي المعقد، وفي طبيعة الفاعلين المتورطين فيها، وفي مستوى الشبكات التي يعتقد أنها شاركت في إنتاجها أو حمايتها. فالقضية لا تبدو مجرد انحراف فردي لرجل ثري، بل شبكة متعددة المستويات تتداخل فيها السياسة والمال والاستخبارات والنفوذ الثقافي، وربما الديني أيضا، ضمن منظومة معقدة لا يزال الجزء الأكبر منها محاطا بالغموض.

وتزداد خطورة هذه القضية حين توضع في سياقها الزمني والسياسي؛ فقد جرت أحداثها خلال مرحلة كانت فيها الولايات المتحدة تقدم نفسها بوصفها الحارس الأخلاقي للنظام الدولي، والقوة التي تحتكر خطاب الديمقراطية وحقوق الإنسان.

وهنا تتكشف المفارقة الأكثر إيلاما: إذ كانت الدولة التي تدير معارك أخلاقية وسياسية حول العالم تواجه، في الوقت ذاته، فضيحة تكشف عن اختلالات عميقة داخل نخبها ومراكز قرارها.

في مستويات النقاش السائدة، يتمحور سؤال المسؤولية غالبا حول مساءلة الشخصيات المتورطة قانونيا أو معاقبتها سياسيا وانتخابيا، وهو مستوى من المساءلة، رغم ضرورته، يظل محدود الأثر، فعلى الصعيد الشعبي، ينحصر الاهتمام في الجانب السري للقضية، أي في استغلال القاصرات أو تورط شخصيات نافذة في أنشطة لا أخلاقية، أما في الخطاب الدولي، فيجري توظيف الفضيحة لتقويض الصورة الأخلاقية للولايات المتحدة، عبر الإشارة إلى التناقض بين خطابها العالمي وممارسات بعض نخبها.

لكن السؤال الذي تحاول هذه المقالة بلورته يتجاوز هذه المستويات الظاهرة إلى مستوى أعمق يمكن تسميته بـ”سؤال المسؤولية المتقدم”، وهو سؤال لا يتوقف عند ملاحقة الأفراد، بل يتجه إلى مساءلة البنية الفكرية والسياسية التي تنتج مثل هذه الظواهر وتسمح باستمرارها، فالقضية، في هذا المنظور، ليست فضيحة جنائية فحسب، بل مؤشرا على خلل بنيوي في تصور النظام الليبرالي المعاصر للإنسان والعالم والسلطة.

لقد قدم النظام السياسي الغربي نفسه، منذ نهاية الحرب الباردة، بوصفه النموذج النهائي للتطور السياسي، مستندا إلى أطروحات “نهاية التاريخ” التي بشرت بانتصار الديمقراطية الليبرالية باعتبارها ذروة المسار الحضاري للبشرية، غير أن فضائح من هذا النوع تكشف هشاشة هذا الادعاء، إذ تبرز أن التقدم المؤسسي والتكنولوجي لا يمنع بالضرورة انزلاق النخب نحو أنماط من الانحطاط الأخلاقي حين تتراكم السلطة والثروة خارج نطاق المساءلة الحقيقية.

ومن هذا السؤال المركزي تتفرع مصفوفة واسعة من التساؤلات التي تمس دوائر إنتاج السلطة المعاصرة، وفي مقدمتها العلاقة بين المال والنفوذ السياسي، والعلاقة بين الإعلام وصناعة الشرعية، وكذلك التداخل بين الأمن والاقتصاد وشبكات التأثير العابرة للدولة. كما يفتح هذا السؤال المجال لمراجعة دور المؤسسات الدينية والثقافية التي كثيرا ما تتحول إلى أدوات تبرير أو صمت أمام انحرافات النخب.

ولا تقف أهمية هذا السؤال عند حدود المجتمع الأمريكي أو الغربي، بل تمتد لتشمل المجتمعات كافة، ففضائح أبستين لا تمثل حالة استثنائية بقدر ما تمثل نموذجا مكثفا لنمط عالمي من تداخل السلطة مع الفساد العميق، وربما لا تمتلك مجتمعات أخرى “جزيرة أبستين” بالمعنى الحرفي، لكنها قد تمتلك نماذج أخرى من الانحراف السلطوي الذي يتخذ أشكالا متعددة، لا تقتصر على الاستغلال الجنسي، بل تمتد إلى انتهاكات اقتصادية وسياسية وإنسانية أكثر اتساعا.

ومن هنا يتحول سؤال المسؤولية المتقدم إلى دعوة عالمية لإعادة التفكير في طبيعة السلطة ذاتها، وفي حدود البراغماتية السياسية التي غالبا ما تستخدم لتبرير التحالف مع مراكز القوة مهما كانت كلفتها الأخلاقية، فالتاريخ الحديث يكشف أن كثيرا من الجرائم الكبرى ارتكبت تحت شعار “المصلحة الوطنية” أو “الاستقرار الدولي”، وهي شعارات تحولت، في أحيان كثيرة، إلى مظلة لإضفاء الشرعية على انتهاكات عميقة.

كما يطمح هذا السؤال إلى إنتاج وعي عالمي أكثر نضجا تجاه مستقبل النظام الدولي، خاصة في ظل تصاعد الشكوك حول قدرة المنظومة الليبرالية على تحقيق التوازن بين الحرية والمسؤولية الأخلاقية. فالتقدم التقني والاقتصادي، حين ينفصل عن الضوابط القيمية، قد يتحول إلى أداة لتعميق اختلالات القوة بدل معالجتها.

وفي بعد آخر أكثر عمقا، تعيد هذه الفضيحة طرح سؤال العلاقة بين المجتمعات المعاصرة والبعد القيمي والروحي للحياة الإنسانية، فقد دفعت النزعة المادية المتصاعدة كثيرا من المجتمعات إلى التعامل مع الإنسان بوصفه موردا اقتصاديا أو أداة للمتعة والاستهلاك، وهو تصور يحمل في داخله بذور التفكك الأخلاقي.

ومن هذا المنظور، تبدو فضائح مثل قضية أبستين بمثابة تذكير قاس بأن القوانين والمؤسسات وحدها قد تعجز عن ضبط السلوك البشري حين تفقد المجتمعات بوصلتها القيمية.

وفي الوعي الديني والروحي، غالبا ما ينظر إلى انكشاف مثل هذه الفضائح بوصفه شكلا من أشكال الردع الأخلاقي الذي يعيد التوازن إلى المجتمعات، عبر فضح ما كان مخفيا داخل شبكات النفوذ، فالتاريخ الإنساني يشير إلى أن انهيار منظومات القوة كثيرا ما بدأ بانكشاف أسرارها الأخلاقية قبل انهيارها السياسي أو الاقتصادي.

إن فضائح جزيرة أبستين، بهذا المعنى، ليست مجرد حدث عابر في سجل الجرائم الحديثة، بل مرآة تعكس أزمة أعمق تتعلق بطبيعة السلطة المعاصرة وحدودها الأخلاقية، وهي تحيل العالم إلى أسئلة كبرى تتجاوز حدود المساءلة القانونية إلى مساءلة حضارية شاملة، تسأل عن مستقبل الإنسان في ظل أنظمة تمتلك قدرة هائلة على إنتاج الثروة والقوة، لكنها قد تفشل في حماية الكرامة الإنسانية.

وفي النهاية، ربما تكمن القيمة الحقيقية لهذه القضية في قدرتها على إعادة إحياء النقاش حول معنى المسؤولية في عالم معولم، حيث تتشابك شبكات السلطة والنفوذ بدرجة تجعل مساءلتها أكثر تعقيدا من أي وقت مضى. وبينما تتكشف فصول هذه الفضيحة تباعا، ويبقى السؤال الأهم مفتوحا: هل سيتعامل العالم معها بوصفها حادثة أخلاقية معزولة، أم باعتبارها إنذارا تاريخيا يدعو إلى إعادة التفكير في طبيعة النظام الدولي ومسؤولياته تجاه الإنسان؟


المسلة – متابعة – وكالات

النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

About Post Author