المسلة

المسلة الحدث كما حدث

لغز التنين الصيني المتردد: لماذا تراقب بكين حرب إيران من بعيد؟

لغز التنين الصيني المتردد: لماذا تراقب بكين حرب إيران من بعيد؟

11 مارس، 2026

بغداد/المسلة: يدور السؤال في أروقة التحليل الجيوسياسي منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران: لماذا لا تتدخل الصين، الحليف الاقتصادي الأكبر لطهران، في الصراع؟ ورغم متانة العلاقات بين البلدين، فإن حسابات بكين تكشف أن مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية تتقدم على أي التزام عسكري تجاه إيران.

وترتبط الصين وإيران بشراكة استراتيجية تمتد لـ25 عاماً وبتعاون اقتصادي واسع، إذ تستحوذ بكين على أكثر من 80% من النفط الإيراني المصدر، كما تعد الشريك التجاري الأكبر لطهران. غير أن هذا الترابط يخفي خللاً بنيوياً في العلاقة؛ فإيران تعتمد على الصين بدرجة كبيرة، بينما تمثل إيران أقل من 1% من تجارة الصين العالمية. وهذا التفاوت يجعل بكين أقل استعداداً للمخاطرة بمصالحها الدولية من أجل طهران.

وتدرك القيادة الصينية أن أي دعم عسكري مباشر لإيران قد يجر عليها عقوبات أمريكية قاسية ويهدد استقرار اقتصادها، وهو ما يتعارض مع أولوياتها الكبرى القائمة على النمو الاقتصادي وتجنب الصدام المباشر مع الولايات المتحدة. لذلك تلتزم بكين تقليدياً بسياسة خارجية تتجنب التحالفات العسكرية المباشرة، وتكتفي غالباً بالدعم الدبلوماسي أو الاقتصادي.

وتبرز اعتبارات الطاقة أيضاً كعامل حاسم في حسابات الصين. فحوالي ثلث واردات النفط الصينية يمر عبر مضيق هرمز، كما تعتمد بكين على دول الخليج أكثر من اعتمادها على إيران. ففي عام 2024 بلغ حجم تجارة الصين مع دول الخليج نحو 257 مليار دولار، مقارنة بنحو 14 مليار دولار فقط مع إيران. وهذا يجعل استقرار المنطقة أولوية صينية تفوق الدفاع عن حليف بعينه.

وفي الوقت ذاته، لا ترى بكين أن الضربات العسكرية ضد إيران تهدد بقاء النظام الإيراني، بل قد تزيد اعتماد طهران عليها اقتصادياً وتكنولوجياً. كما أن الصين تعارض أساساً امتلاك إيران للسلاح النووي، وهو ما يجعلها أقل حساسية تجاه الضغوط العسكرية المحدودة على البرنامج النووي الإيراني.

وفي ضوء هذه المعادلة المعقدة، يبدو أن الصين تفضل لعب دور الداعم غير المباشر عبر التجارة والتكنولوجيا وربما بعض الإمدادات العسكرية المحدودة، من دون الانخراط في الحرب نفسها. فالعقيدة الاستراتيجية لبكين تقوم على تجنب الحروب البعيدة عن محيطها الجغرافي، خصوصاً عندما يكون الخصم فيها الولايات المتحدة.

وهكذا يكشف “تردد التنين” الصيني عن حقيقة أساسية في السياسة الدولية: فالعلاقات الاقتصادية الوثيقة لا تعني بالضرورة تحالفاً عسكرياً، وأن حسابات المصالح الكبرى لبكين تجعل استقرار الاقتصاد العالمي وتجنب المواجهة مع واشنطن أولوية تتقدم على إنقاذ إيران في ساحة الحرب.

 


المسلة – متابعة – وكالات

النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

About Post Author