بغداد/المسلة:
محمود الهاشمي
1. إن أي فكرة أو عقيدة أو معركة تحتاج إلى ظروف مواتية لكي تنجح؛ فإذا غابت تلك الظروف كان الفشل أقرب مصيرها. والتاريخ يزخر بشواهد كثيرة على ذلك، منها أن جميع المعارك التي خاضتها الجيوش النظامية العربية ضد العدو الصهيوني باءت بالفشل بسبب عدم وجود ظرف إقليمي أو دولي مناسب لإنجاحها، في حين تشير الوقائع إلى أن الظرف التاريخي يميل اليوم لصالح إيران في حربها ضد إسرائيل والولايات المتحدة.
2. تتباين الشعوب في تاريخها ومكانتها وثقافتها ومزاجها العام وعاداتها وتقاليدها، ولهذا فإن الفكرة أو العقيدة إذا لم تجد البيئة البشرية التي تحتضنها وتترسخ فيها فقد تؤول إلى الفشل. وليس ذلك دائمًا بسبب قصور فيها، بل ربما لأن المجتمع لم يتهيأ بعد لهضمها وفهمها والتفاعل معها. ونرى أن عقيدة الإسلام في إيران، ببعدها الجهادي والفكري، تمثل نموذجًا صالحًا للأمة لإصلاح واقعها.
3. إن معركة طوفان الأقصى بين الكيان الصهيوني والمقاومة في غزة، المدعومة بمحاور المقاومة، مضى عليها ما يقارب ثلاث سنوات وما يزال أوارها متقدًا. وقد خاضت المقاومة في غزة قبلها ست معارك مع الجيش الصهيوني، كان أطولها (55) يومًا، مما يؤكد مدى التطور في عقيدة المجتمع الفلسطيني والمقاومة المتمثلة بحركتي حماس والجهاد الإسلامي.
4. إن فشل المعارك العربية مع العدو الصهيوني لا يعود إلى عقيدة الحرب ولا إلى الأسلحة التي قاتلوا بها ولا إلى عدد الجيوش، بل إن الظرف التاريخي كان لصالح خصمهم (إسرائيل)، وهم لم يغيروا واقعهم للتأثير في مجريات التاريخ.
5. تبنت إيران عقيدة مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل منذ انطلاق ثورتها الإسلامية عام 1979، ورسخت هذه العقيدة في نفوس شعبها، ثم وظفت جميع إمكانياتها لاحتمال المواجهة سواء مع إسرائيل أو مع الولايات المتحدة، أي أنها لم تعتمد على الشعارات فقط.
6. بعد انهيار المعسكر الشيوعي عام 1991 وتفرد الولايات المتحدة بقيادة العالم، عملت إيران على إنشاء عمق استراتيجي لعقيدتها الإسلامية في المنطقة، سواء في لبنان أو العراق أو سوريا أو اليمن أو فلسطين المحتلة، فتحول ذلك إلى درع عقائدي وسياسي وعسكري واجتماعي للأمة بأسرها وليس لإيران فحسب.
7. حولت إيران العقوبات الأمريكية والأوروبية وغيرها على شعبها وقياداتها إلى فرصة للاعتماد على خيرات البلاد وثرواتها البشرية والاقتصادية وموقعها الجغرافي، وتبنت عقيدة الاكتفاء الذاتي التي تغنيها عن الحاجة إلى الدول الأخرى، فأصبح الشعب الإيراني يأكل ويشرب ويلبس ويبني ويعمر من ثروات بلاده، كما طورت آلتها العسكرية لمواجهة جميع الاحتمالات.
8. منذ ثمانينيات القرن الماضي وحتى اليوم لم يستطع العرب إقامة دولة نموذجية أو بروز شخصية رمزية جامعة، لذلك نمت تجربة الثورة الإسلامية في إيران في ظل غياب عربي وهيمنة إسرائيلية على المنطقة، فتحولت الثورة الإسلامية الإيرانية وشخصياتها وقادة محاور المقاومة المدعومين منها إلى عناوين ورموز دينية ووطنية وقومية لشعوب المنطقة رغم التعتيم الإعلامي الكبير.
9. إن فشل الولايات المتحدة في احتلال أفغانستان والعراق، وقبل ذلك في فيتنام، وكذلك فشلها في طرح عقيدة بديلة عن العقيدة الشيوعية التي كانت تؤمن بها دول المعسكر الشرقي وروسيا، وفر فرصة مناسبة للجمهورية الإسلامية الإيرانية لطرح عقيدة الإسلام المحمدي الحسيني كبديل ونموذج للساحة الإسلامية والدولية عمومًا.
10. إن فشل الولايات المتحدة المتكرر في إحداث فوضى داخل إيران عبر إثارة الشارع وقضايا الحجاب والمعيشة جعل إيران أكثر رسوخًا وشعبها أكثر التفافًا حول حكومته ودعمًا لها.
11. إن طول أمد معركة طوفان الأقصى واستمرار إيران في دعم محاور المقاومة وعدم التنازل عن هذا الدعم جعل القضية الفلسطينية القضية الأولى عالميًا، وأصبح أي استحقاق انتخابي في العالم يتأثر بالموقف منها: مع القضية الفلسطينية أو ضدها.
12. إن صمود أهالي غزة والمقاومة وعدم تمكن جيش الاحتلال من إحداث خلل في المعادلة العسكرية أو الاجتماعية طوال ما يقرب من ثلاث سنوات جعل العالم يثق بالمقاومة وصمود الشعب الفلسطيني رغم حجم التضحيات والإبادة الجماعية وسياسة التجويع وقسوة العدو.
13. إن التحولات التي يشهدها العالم وصعود أقطاب جديدة، وانخراط إيران في اتفاقيات مثل بريكس وشنغهاي واتفاقات أخرى مع روسيا والصين، أحدث تغيرًا كبيرًا على مستوى العالم وغير الكثير من الخرائط الاقتصادية والسياسية.
14. صعود التيار اليساري في ما يسمى بالحديقة الخلفية للولايات المتحدة (دول أمريكا الجنوبية) وإعلان العداء لواشنطن، إلى جانب هيمنة الصين على الميزان التجاري لدول القارة ليصل إلى نحو (500) مليار دولار سنويًا مقابل تراجع الولايات المتحدة إلى نحو (150) مليار دولار.
15. مجيء دونالد ترامب إلى السلطة في الولايات المتحدة وإعلانه شعار “أمريكا أولاً” وتطبيق تعريفات جمركية عالمية شاملة بنسبة بين 10% و15% على معظم الواردات مع تهديدات بزيادتها، تسبب في توترات تجارية مع معظم دول العالم، بما فيها الدول الصديقة، ما دفع كثيرًا منها إلى التوجه نحو الصين كشريك تجاري موثوق.
16. خسرت الولايات المتحدة كثيرًا من أصدقائها التقليديين في أوروبا بسبب سياسات ترامب وتعاملاته المتوترة مع قادة تلك الدول ومحاولاته إضعاف حلف الناتو، وكذلك محاولته الاستحواذ على جزيرة غرينلاند، وهو ما امتد إلى علاقاتها مع دول أخرى مثل كندا والهند.
17. بسبب سياسات الرئيس الأمريكي ترامب تجاه العالم، أصبحت أغلب دول العالم لا تثق به شخصيًا ولا بتعهداته ولا بالسياسة الأمريكية عمومًا.
18. وفق وثيقة الأمن القومي الأمريكي لعام 2025 لم تعد منطقة الشرق الأوسط من أولويات الولايات المتحدة، إذ تتجه أولوياتها أكثر نحو مناطق أخرى من العالم، خصوصًا أمريكا اللاتينية.
19. التغيير الذي حدث في سوريا على نظام بشار الأسد ومجيء حكومة موالية لتركيا جعل إسرائيل تشعر بالقلق من تمدد النفوذ التركي قرب حدودها. وقد أعلنت إسرائيل أن صراعها بعد ما تسميه “الإسلام الشيعي” المتمثل بإيران قد يتجه نحو مواجهة “الإسلام السني” المتمثل بتركيا وحلفائها، ما جعلها تعيش حالة قلق متزايد على مستقبلها.
20. الانحياز المطلق للولايات المتحدة لصالح إسرائيل دفع الدول العربية والإسلامية وقوى التحرر في العالم إلى إعادة النظر في علاقاتها مع واشنطن والبحث عن علاقات دولية جديدة.
21. إن استهداف القواعد الأمريكية في المنطقة من قبل إيران ومحاور المقاومة، وعدم قدرة الولايات المتحدة على حماية الدول المضيفة لتلك القواعد، أفقد هذه الدول الثقة بقدرة واشنطن على توفير الحماية لحلفائها.
22. تجاوز الدين القومي الإجمالي للولايات المتحدة 38.5 تريليون دولار مع بداية عام 2026، إضافة إلى الأزمات السياسية والاجتماعية الداخلية بين الحزبين، وقضايا الهجرة والبطالة والانقسامات الاجتماعية، ما جعل عددًا من المفكرين والكتاب يرون في ذلك بداية تراجع حضارة الغرب.
23. يشهد الرأي العام الأمريكي تحولًا متسارعًا بعيدًا عن الدعم المطلق لإسرائيل، متأثرًا بتغير الأجيال وانتقادات الحرب في غزة وتزايد التعاطف مع الفلسطينيين، خاصة بين الشباب والديمقراطيين. وقد أظهرت استطلاعات الرأي تراجعًا تاريخيًا في التأييد، مع تزايد الاحتجاجات الجامعية والمطالبات بوقف الدعم العسكري لإسرائيل.
24. كان كثيرون يعتبرون إغلاق مضيق هرمز خيارًا أخيرًا بالنسبة لإيران بسبب المخاطر الاستراتيجية المحتملة، لكن هذه المعادلة تغيرت بعد الهجوم الذي تعرضت له إيران في 28 فبراير والذي قُتل فيه زعيمها الأعلى آية الله العظمى علي الخامنئي، إذ باتت القيادة والشعب الإيراني ينظرون إلى الحرب باعتبارها حربًا وجودية.
25. إذا كانت دول أوروبا قد دعمت إسرائيل بشكل كبير في معركة طوفان الأقصى، فإنها نأت بنفسها عن المواجهة المباشرة في الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران، بسبب الخلافات مع سياسات إسرائيل والولايات المتحدة وكذلك بسبب مصالحها المرتبطة بالطاقة ومضيق هرمز.
26. كان هناك سابقًا تخوف لدى دول المنطقة من ما يسمى بتصدير الثورة الإسلامية أو “الهلال الشيعي”، لكن شعوبًا ودولًا في المنطقة باتت ترى إيران مدافعًا عن قضايا الأمة ومناصرًا رئيسيًا للشعب الفلسطيني.
27. يشهد العالم والمنطقة حالة من التوازن النادر في التاريخ، حيث دارت معركة فبراير الأخيرة “الوعد الصادق 4” بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران المدعومة بمحاور المقاومة من جهة أخرى، دون تدخلات دولية واسعة.
28. بعد معركة الاثني عشر يومًا بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، تكون إيران قد أكملت خلال الأشهر التالية استعداداتها للرد والثأر لبلدها وقادتها وشعبها، كما عملت على تطهير أراضيها من العملاء والمتعاونين مع الأعداء، وتحويل البلاد إلى ورشة لتطوير الذكاء الاصطناعي والصناعات العسكرية استعدادًا لمواجهة طويلة.
29. المجتمع الإيراني مجتمع شرقي بعقيدة إسلامية شيعية، ويرى في اغتيال أي شخصية من قياداته أو علمائه اعتداءً كبيرًا يستوجب الانتقام، ولذلك فإن غضبه على اغتيال القائد الأعلى والقيادات السياسية والعلماء لا حدود له.
ختامًا:
إن اللحظة التاريخية التي تجري فيها معركة 28 فبراير – الوعد الصادق 4 بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى تمثل، وفق هذا الطرح، لحظة تاريخية تصب في صالح إيران والأمة الإسلامية والعربية ودول غرب آسيا وقوى التحرر في العالم
المسلة – متابعة – وكالات
النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

أخبار ذات علاقة
تسنيم الإيرانية: طهران ردت رسمياً على المقترح الأمريكي المؤلف من 15 بندا
أمانة بغداد تهزم “موجة الغرق”: استنفار قياسي يحول الشوارع إلى ممرات آمنة في ساعات
احذر أيها الشيعي الواعي من فخّ التوصيفات