المسلة

المسلة الحدث كما حدث

الجوع والحرية والديمقراطية

الجوع والحرية والديمقراطية

22 أبريل، 2026

بغداد/المسلة:

مزهر الخفاجي 

القناعة ليست فضيلة مطلقة… بل يصفها البعض على انها:

– ” قِناعٌ وُضِعَ على فم الجائع كي لا يصرخ… وعلى عينيه كي لايرى كيف تُدار الثروات بطريقة تُسَهِّل من سرقتها…. ويحاول البعض ان يسوقمفهومها ليكون قريباً من قلوب الفقراء..  كي لا يحقدوا”.

نعم……. ان السردية التراثية قد تتحول الى قيد… والمثاليةالمشحونة في مفرداتها…. الى مُخدِّر جماعي أو يمكن القَول انهاكأس خمرٍ رخيص الثمن يحتسيه الفقراء كي ينسوا.

فالاغنياء الاثرياء والمترفون المتربعون على السُلطة والمتمكنينمن مالها لا يُعلِّمون ابنائهم كيف تُشترى السعادة، بل يُدرسونهمكيف يورث النفوذ عن طريق المال… وكيف ان المال مورثالسعادة ومن ثمَّ السلطة. اما الفقراء فان عتبات معرفتهم الاوليةتتجلى في ( القصد هنا عتبة البيت أو المدرسة أو الجامعة أو دورالعبادة):

ان يتعلموا كيف يبتسمون للجوع ويحمدون نعمة الحرمان، لانالسردية المخصصة لهم تورد  ان فلسفة القناعة التاريخية والدينيةوالاجتماعية في محاولة دائمة من اجل ترسيخ مفهوم:

ان  القناعة كنز لايفنى…وان الحرية لن يحظى بها إلا ذو حظعظيم..القناعة وقلة مقارباتها الشعبوية  والحاضرة في ثقافةمجتمعاتنا ..ليست إلا قبولا لبس لبوس القناعة .. وهي فضيلةوهمية بلا شك تحاول فيه ثقافتنا في سردياتها الأجتماعية انتبقيَ الهرم الاجتماعي مقلوباً، حيث تحاول فيه ان تبقى القاعدة ( جموع فقراء الشعب) صامتة ورجال القمة مرتاحين.

ان ُمدرك القناعة بالمقلوب… هو القناعة المرتبطة بالمَرْضيالصامت واوهامه لكي يصبح الانسان مقتنعا على انه يملكالحقيقة المطلقة… فضلا عن اغلاق منافذ عقله أمام كل احتمال.

حيث يتحول جهلهُ المستند الى ثقافة المجموع الى حقيقة وعندمايستولي مفهوم القناعات الوهمية على عقله، عندها لا يسعىبالبحث عن الصواب، فضلا على انه لا يراجع افكاره ومبادئه التيتُشكل مهاد وعي وثقافة الفرد،والغريب ان ثقافة القطيع اوالجمهور  يظل يدافع عن فتنة السردية التاريخية والموروثالاجتماعي كونها هي المنقذ من ظلاله او هي دالته الىالأستقرار ..او ربتما هي عنوان فضيلته القائمة على الأنتظار.

( كأنها هو) … وهنا يتحول الخطأ الى مبدأ… والعِناد الى إيمان… والعَمى الى يقين مقدّس… وربما نرى قناعات قد ارتبطتبالحراك او بالتفاعل أو قولوا……. التمرد، الذي يتبناه الفيلسوف ( نيتشه) عندما يقول:

– ” لقد هزأت من هؤلاء الضعفاء الذين يعتقدون انهم صالحينلمجرد ان لا مخالب لهم… وانهم بصمتهم هذا انما يمثلونالفضيلة”.

هنا دعونا نفكك قول نيتشه، إذ ان هذا الفيلسوف يرفض انتقترن الفضيلة بالعجز، والقناعة بالصمت… فهؤلاء الضعفاء الذينيمثلون أغلبية مجتمعاتنا يعتقدون انهم صالحون باستنادهم الىفرضية انهم لا يمتلكون مخالب.

اولائي الفقراء الصامتون… عالقون في وهم الفضيلة همالذين يستبدلون الارادة الحرّة بالخضوع ويستبدلون القوةبالاستكانة… وهذا ما جعل الكثيرين من علماء الاجتماع يذهبونالى توصيف اصحاب هكذا قناعات باصحاب القناعات الوهمية… او الفضيلة الناقصة.

لذلك يصبح الخدر لديهم وكأنه انعكاس للضعف… وهو ليسخيارا حرّاً بل انها تنبع من ارادة متمكنة ومتخيلة في ذاتها كما هيقناعاتهم.

ان الفضيلة  ، القناعة ، الأستكانة ، القبول بالواقع ،وهم… التيهي في السردية الاجتماعية التي كانت  تستمد مفاهيمها منمركزياتها الثلاث: ( التاريخ، الفضيلة، والتراث) ويبدوا ان المركزياتالثلاث والتي تمتد في عمق تاريخ مجتمعاتنا العربية تكرس ثقافةإجتماعية تُكون فيما بعد عقلية مجتمعية ترسخ قناعات اجتماعيةقائمة على ثالوث (الصبر ، الانتظار ، الفرج) وان :

– ( الانتظار الذي يأتي من بعده الفرج).

والمأساة الحقيقية هنا، ان هذا الانتظار عند الافراد والجماعاتيتحول الى اسلوب وفلسفة  حياة كأنتظار البعض لوظيفة ماوالتي  لا تمنح معناً حقيقي للوجود… انتظار لا يشبه الاحلام… انتظار فرصة… انتظار الفرج… انتظار الضوء… انتظار المعجزةبصيغة المُخلِّص.

ان تعليق حق الجماهير والشعوب في  العيش الكريم على هذهالفرص، إنما يستند على مفاهيم ترسخت في العقل الجمعي… عاش على مفهوم الفضيلة، القناعة ، الوهم ..أو انبلاج فجرالمُخلّص.

علينا هنا… أن نُقِرْ ان حقائق عِلم النَفس تفكك مثل هذه السلبيةفي السلوك الجمعي على انه:

– ( ان ما تُمارسه يوميا ستتقنه بكفاءة وسَتُدمن عليه، فالذييتمارض سيمرض… والذي يتذلل سيُذَلْ والذي يتعود القلقسيقلق حتى من رنة هاتفه؟).

وحول موضوع سقوط القناع:

والمقصود هنا بالقناع هو شعور الشعب والجماعة الوطنيةوعقدها الاجتماعي على انه محض افكار… يتيه فيها الفرد ولايستطيع ان يميز بين الحرية والوطن والهوية. وحول هذاالموضوع يؤكد المفكر د. عبد الوهاب المسيري:

– ” نعم. في المجتمعات التي يصبح فيها الوهم فضيلة والصمتاخلاقاً او القناعات البالية

مقدسات، وان ( الدولة، الحكومة، والسلطة) تُدار لحساب نخبةوليس لحساب الوطن…

يصبح الفرد غير قادر على التضحية من اجل الوطن… لذلكيتصرف هذا الفرد /

المواطن من اجل البحث عن مصلحته الخاصة حتى وإن فرطبحقه او بحريته او تنازل عن وعيه ..او عطلهُ”.

وأضاف د. المسيري:

– ” الخوف كل الخوف من ان تتحوّل الدولة الى آلة تخدم قلّةمُتسلطة لا شعب بأكمله تعتريها القداسة التي يبنى عليها معنىالتضحية، هنا الوطن اذاَ تحوّل الى شركة

خاصة… تُقسّم ارباحها على الممسكون بالسلطة وهم قديكونوا نُخب الطارئة… وتترك الخسارة يتقاسمها جموعالشعب”…في هذه الحالة  التي يسود فيها غياب التمييز الواضحبين الوعي بالحرية ، والحرية غير الواعية ..لم يعُد الوطن فكرةجامعة… بل قيداً فاقداً للشرعية، وعندها يتعرى الانتماء للوطنمن رمزيته وتذوي الحماسة التي كانت تدفع الفرد ليبذل حياته مناجل حرية وطنه، لان الدماء لا تُسفَك من اجل اوطان مُصادرة!.

لا بل من أجل قيم وحقوق يتقاسمها الجميع. وعندما تسقطالاقنعة التي ترتديها النُخب والمُمسكون بتلابيب السلطة الطامعينلاستخدامها من اجل تثبيت وجودهم… وحين يسقط القناع عنهذه الوجوه ويكتشف ( الفقراء / المكَاريد) ان شعارات الوطنوالوطنية وخدمة الناس.

ما هي إلا شعارات من اجل الحصول على مكاسب ضيقة، لذلكينقلب الوفاء الى سخرية والاخلاص الى عزوف… فلا يبقى امامالفرد / الشعب إلا البحث عن رغباته الخاصة… كغريزة نجاةاخيرة وسط خراب المؤسسات والقائمين عليها.

هنا لا ينهار ايمان الفرد بالوطن فحسب ولا بانتماءه له ولا بهويته،لا بل تنهار الفكرة نفسها ( واقصد المواطنة) من جذورها ويفقدالفرد والمجموع الكيمياء الواحب حضورها بين الحرية والوطن.. لأن الوطن في التفكير الجمعي البسيط ليس ارضاً تُحكَم.

بل إنتماءاً و عقداً اخلاقياً وانسانياً واضحا فاذا انكسر هذاالعقد لا يصبح في عقل الفرد / الشعب اي مكان لشيء اسمه ( وطن). بل مسرحاً يلعب على خشبته اللاعبين ادوراهم ( الفقراءو الممسكون بالسلطة).

يؤولون في تفسير حقوق الفرد /الجماعة  بالعقدالاجتماعي /الدستور اللذان لا يشبعان ولا يغنيان من جوع. ويبدوان مجتمعاتنا العربية، خصوصا المجتمع العراقي ، المصري منهاقد عاش منذ اكثر من مئة عام على مبدأ كرّسهُ الحكام:

العبودية الفكرية تحاول ان تسلب من مجتمعاتنا وعيها وتحاول انتسوق فكرة من كونك عبداً… وان الجسد المقيّد قد يحلم يوماًبالتحرّر، لكن العقل المستلب لا يحلم إلا في توفير الطاعة كفضيلةالتي  تخدم سجّانه؟؟؟؟؟؟!!!!!!!!!!.

كل هذا يحصل عندما يغيب الوعي المتنامي ويحضر وعيالانسان الوهمي الساذج  القائم على ترسيم مفاهيم  القناعة /الفضيلة والطاعة ، قناعة. وذلك بسبب كم القيود  الوهمية التيترسخ قناعات ساذجة في عقل الفرد والمجتمع على حدسواء..ووصول هذه القناعات حد القداسة؟

حتى تصبح الفضيلة ، القناعة وهىم…الذي يتلبس العقل الفرديوالجماعة الشعبية  الفرد والمجتمع الشعبي  التي توصف علىانها اشبه بالوباء، حتى يوصل الممسكون بالسلطة الى ترسيخوهم عدم التطابق بين الحرية والوطن .

هذه محنة  عاشتها مجتمعاتنا العربية ما بعدها  منمحنة!!!!!!!!!!!!!.

ولعلنا في هذا المضمار نستعير عبارة المفكر العالمي جان جاكروسو عن الوطن عندما سُئل ،  اجاب قائلا:

– ” الوطن هو المكان الذي لا يبلغ فيه المواطن من الثراء مايجعله قادرا على شراء مواطن

آخر، ولا يبلغ فيه مواطن من الفقر… ما يجعله مضطرا ان يبيعنفسه او كرامته..؟” وعَودا على بدء.. تُرى ما علاقة الحريةبالجوع.. وإذا ركزنا في تاريخ مجتمعاتنا العربية البشري نجد انالجوع هو الذي دعى رواد الحضارة في توكيد ان فكرة الانتقالمن عــــصر ( جمع القوت) الى عصر ( انتاج القوت) والتي عبرتعن بداية ترسيخ مفههوم حرية الاستقرار او المدينة او الأقليم اوالوطن.

التي ارتبطت بعد ذلك بالاستقرار البشري وبداية العصور التاريخية،التي كان عِماد هذا الاستقرار البشري تعلّم طرق الزراعة فيالمدن التاريخية الاولى. ويبدو ان الجوع نفسه…

كان مَدعاة للهجرة من مدينة الى اخرى ومن بلد الى آخر، وربماكانت… ونقصد ( الجوع، القوت، الثروات، والمغانم) سبباً في غزواقوام لاقوام اخرى في مختلف الاماكن على الارض.

وما ان استقرت البشرية حتى بدأ التدوين، ثم اكتشاف الكتابة، ثمظهور القوانين، التي كانت استدعاءاً بشرياً واضحاً لفكرة سيادةمبدأ العدل وضبط الحرية التي باتت وفق مبادىء الحرية البدائية.

هذه المبادىء تظهر تمدد هذه الحريات… لتتحوّل من بعدها الىفوضى تحتاج الى ضبط اجتماعياً  محكوماً بأراف قانونية بدئيةتتفق وتوافق عليه الجماعات البشرية الساكنين في مكان واحد… وهنا اقصد بعد عملية الاستقرار والنهضة.

حينها قررت الجماعة البشرية تقنين الحرية وحصر العنف بيدالدولة او الجماعة الحاكمة… وهذا الامر هو الذي جعل المفكرجون لوك أن يقول:

– ” الحريّة ليست أن تفعل ما تشاء.. بل أن تكون أنت… كُننفسك حتى لا تخسر ذاتك”.

والواقع ان التضاد بين الحرية والفوضى قد تخلق مجتمعاتمقلقة- هشة يتسيّد فيها الجهل على الحرية. وحول هذا الموضوعيقول عالِم النفس سيجموند فرويد في مبحثه ( الحرب والحضارةوالموت):

– ” الواقع ان الناس ليسوا مجرد مخلوقات مهذبة ودودة تتمنىالحب، ولا تملك إلا الدفاع عن نفسها لو هوجمت، لكن قدراً كبيراًمن رغبة الاعتداء يشكّل جزءاً من طبيعتهم

الغريزية”.

هنا…. علينا ان نعترف ان الحرية في مفهومها البدئي كانت عندالكثير من الفلاسفة وعلماء الاجتماع في جوهرها كانت تهدفالى تحقيق السعادة… وبهذا الخصوص يشير المفكر شوبنهاورالى:

– ” ان الاستقرار والسعادة ليست مُنتج خارجي، ان السعادةتعتمد اكثر على ما في داخلنا وعلى ما يُحيط بنا”.

هنا… يقصد شوبنهاور: ان السعادة الحقيقية لا تأتي من امتلاكالمال، ولا من الناس ولا من الظروف التي نعيشها، بل تدفع منداخلنا ومن طريقة تفكيرنا، ومن سلامنا الداخلي.

أما إذا كنت مضطربا من الداخل فلن تجدها  ان المترشح هنا منان الحرية تُستدام في الاوطان في ظل نسقية تاريخية قائمة علىثُلاثية (الجماعة الحاكمة ، دستور ، جماعة وطنية) . والجدير بالذكران اولى مقدمات الجهل هو اعتبار الحرية ومدخلاتها من ترف اوراحة قد تخلق السعادة وتتحقق في التفكير فيما ينقصنا…

فضلا عن الرغبة بلا وعي في امتلاك الحرية والسعادة والاشياءالتي تنقصنا، وان الرغبة في الامتلاك تُعد أصل معاناة مجتمعاتناالتي قد تبدأ بالجوع وغياب الأمن وعدم الاستقرار وغياب القانونوشيوع منطق قوة السلطة .. وليس سلطة القوة .. ان مجتمعاتناالعربية ومنذُ قرون محكومة بالاحتياج الدائم (حرية ، عيش كريم ،وطن) .

فمجرد ان تملك حقك في ( الحريّة) قد يفقد بريقه… لأنالرغبة العمياء داخلنا لا تهدينا، بل تنقل من رغبة الى اخرى فيسلسلة لا تنتهي من الرغبات. فالتفكير في التنصل هو تعبير عنطبيعتنا البشرية.

وان هذه تُقاد من الداخل نحو التملك والنمو والاكتفاء، وذلكنحو مزيد من التملك الذي يخلق فيما بعد من الألم المغلفبالأمل… حيث لا تستفاد بما تملك لأن النِعم صامتة.. لكن النقصيصرخ في اعماقنا…

فنركض وراء ما نعتقده اللحظة وننسى ان في ايدينا ( فيصرتنا) ما يتمناه غيرنا فقد نحصلُ على الحرية ونُشبع بطوننافنفرط بأوطاننا تحت فرية ولاء وهمي او انتماءاً طوباوياً اوأيديلوجية عابرة او قد نجد اوطاننا لكننا نفرط في حقنا فيالحرية وفي رغبتنا في اختيار جماعاتنا الوطنية الحاكمة وحتى فيانجاز مشاريع عقدنا الاجتماعي /دساتيرنا والتأسيس عليها لخلقكيمياء تتفاعل فيها الحرية مع الوطن .

واقتراباً من الواقع ان ما يحصل او يدور على هامشالديمقراطية، التي هي منجزاً من منجزات الحرية المبتلاة فيوطننا العربي في نموذجيها (العراق ، مصر) … التي لم تستقمبعد رغم تراتبية ممارساتها الديمقراطية منذُ قرابة اكثر من قرن .

ولا حتى جاهزية مواطنيها في استثمار فرص استخدام حقهالشرعي والدستوري في اختيار جماعتها الوطنية الحاكمة وسلطاتها الثلاث (التشريعية ، التنفيذية، القضائية ) . كل هذاالارباك الذي الحاصل في مشهد ممارسة حق مجتمعاتنا في حقهاالديمقراطي  سببه العوز او الحاجة او الجوع  والذي ساهم فيهاحتلال مستدام ، حكومات لم تخرج من قاع المحِنه ولم تقدمبرامج تحقق عدلاً نسبياً يمنعُ الشعوب من الوصول الى حافةالجوع ، والتخلف ، والجهل ، وحتى التفريط في حريتها ..وهنا نتذكر ما قاله الاديب فيكتور هيجو:

– ” ان فردوس الاثرياء… مصنوع من جحيم الفقراء”.

فالثراء عند هيجو ليس نتيجة قيصرية او اجتهاد للجماعة الحاكمة،بل ثمرة استنزاف طويل او خطيئة مقنعة باسماء براقة منها تبادلالمنافع او خدمة الجمهور او الانحياز للفقراء او فضيلة مقدسة….

فالفردوس الذي يُهلّل له ( المرشحون / المنتصرون) في انتخاباتالتشريعية  عام ٢٠٢٥ في كل من العراق ومصر ليس سوىالجانب الآخر من الجحيم الذي كرسته وعودا كاذبة وشعاراتفضفاضة وبرامج ستنسى بعد حين.

ان النظام الذي يأتي عن طريق شراء ذمة الناخب الفقير الجائعوالمعوز… انه نظام غير اخلاقي بالبتة وهو يثلم شرف المواطنةويسيئ للحرية ويكبل الديمقراطية في قيود او لها قطيعةسايكلوجية تبدأ من التضليل وتنتهي بشراء اصوات الشعبالسعادة منه فوق شقاء الفقراء المُصادَر.

ان حصول الافراد الناخبين على مبالغ تسد رمق الجائعين اوهدايا تستغل حاجاتهم او خدمة هي بهجة مزخرفة مؤقتة.. وهيصرخة لم تُسمَع ولا يُراد لها ان تُسمَع  ستتبعها صرخات اخرى… قد تدعو للتمرد.. أو تشيع لقناعة او فضيلة وهم قادم !!؟؟؟.

وبنا ان الديمقراطية لعبة كما يقول اساتذة العلوم السياسيةفيبدوا ان مجتمعاتنا العربية قد اتقنت هذه اللعبة ..فسولَ لهاوعيها او لوسلوكها الخاطئ او حاجتها او ربما عدم ثقتها بالأخر ،ان تلعب مع هذه النُخب السياسية الطارئة .

وهنالك فذلكة فلسفية في مبررات سرقة الحق في ممارسةالحرية من الشعب الجائع او الاغلبية المغيبة تعتمد على:

أولاً:

الصمت… والبعض يذهب الى ان هذه السرقة هي حقللناس في ممارسة حقها في الديمقراطية… وهي انما تعود الىكسل هذه المجتمعات او صمتها الواقعي،  وحول هذا الموضوعيؤكد المفكر ( ايلي فيزيل):

– ”  ان اكثر ما يؤلم الضحية… ليست قسوة الجلاد، بل صمتالمتفرجين”.

اي بمعنى ان الالم الحقيقي لا يتجسد فقط في فعل الظالم، بلفي اللامبالاة التي تمنح الجريمة شرعيتها بالصمت… فالفرد،المواطن، الشعب، الجماعة الصامتة تضاعف من شعور الضحيةبالعُزلة.

وكأن العالَم كله راضٍ بما حدث او تواطىء مع الحراميوالسارق والجلاد. وحول هذا الموضوع اي الصمت يقول معظمعلماء الاجتماع  من ان تكرار او الاصرار على الصمت الاجتماعيفي ظل مصادرة الآخر لحقك في العيش والتغيير.

يصبح شرعية للقسوة ، للخداع ، للعبودية، وبهذا يمكن القول اناخطر ما يواجه العدالة… ليس قوة الظالم او حجم الاغراءاتالتي يقدمها… بل صمت المظلوم وصمت من يعرف الحق ويغضالطرف عنه، وهو بهذا يُشارك في ترسيخ ظاهرتين مُستنكرتين:

الاولى: تغييب الوعي.

الثانية: تمكين الظالم من مصادرة الحق في الحرية من خلالالسكوت او الصمت عليه.

ثانيا:

غلو الولاء غير الواعي، واغلب الذين جارو على الحرية وهميمارسون حقهم في ممارسة ديمقراطية مكشوفة تتسم بتغليبولاءهم العصبي القبلي او الطائفي الديني او مجاراة القطيع. والولاء المقصود به هنا، الولاء غير الواعي. الذي يصفهُ الروائيجورج اورويل:

– ” انعدام التفكير ويعني الحاجة- التفكير”.

والولاء يصبح بعد ذلك جزءاً من عدم الوعي يتحول بها الولاء غيرالواعي الى آلةتبخيس وبلاء ربما يُكرس فكرة جهل الوعيالجمعي . ذلك الولاء الذي يجعل الفرد غارقاً في انصياع الوعي والذي يؤدي الى تدمير عقل وارادة وذهنية الفرد.

وهو بهذا يُعطل وعيه او يُسخره بشكل سلبي حين يختار ما لايمثله ولا يعبر عنه، وليس له ولاء لطموحاته في الاصلاح والتغييروالعيش الكريم. ان هذا الولاء وفق هذه المقاسات ليس فعلاًاختيارياً محضاً. بل هو انعكاس ضمير جمعي يؤثر فية  ويتأثر فيه.

لتتحول فيه مجتمعاتنا الى دمى راقصة.  ان مجتمعاتنا العربية في اختيراتها منذ منتصف الخمسينيات صارت تدمنولاءات فارغة قد جربت فشلها وخطئها وخديعتها لها… لكنهامصرّة على تكرار التجربة من دون مسوغ انساني ولا اجتماعيولا مسوغ ايماني ولا اخلاقي .

ثالثاً:

الجهل مع الحرية، تصر مجتمعاتنا وشعوبنا العربية نع الأسفطيلة اكثر من عشر عقود  على التجاور الجهل  مع الوعي، خاصةعندما يدرك الناس من ان الدولة تُدار لحساب جماعة  وليسلحساب وطنٍ او بلدٍ او دولة .

ان لحظة سقوط القناع كما يقول المفكر عبد الوهاب المسيرييقلب وفاء الفرد / المواطن الى سخرية. وان اعلى مراحل هذهالسخرية هو ان ينقلب الجائع الفقير الى سارق مؤقت ..بأمتياز فيأخذ ثمن حريته.

وذلك كناخب يمارس حريته لقاء مبلغ.. يشعــــــر فيه هذاالمواطن انه يسترد حقه ( اي ما تم سرقته منه) خلال سنوات منسارق محترف… والغريب مهما تفنن هذا المحترف المرشحالسياسي على الناخب فان الجياع كانوا اكثر مكراً وحيلة  فيخذلانه .. وقريبا من تعريف فلسفة الحياة وموقع الانسان فيهايقول شوبنهاور عند وصفه الحياة:

– ” ان الحياة تشبه بندول الساعة تتأرجح بين الألم والملل”.

اي بمعنى ان رغبة الانسان الجامحة على شيء ينقصه تعتبرالماً.. وهو يعاني الحرمان كيف لا وهو يمضي اكثر وقته فياشباع رغبته ظنا منه من انها الطريقة المثلى لتحقيق سعادته.

لكن الغريب في الامر… هو ان الانسان بمجرد ان يتحقق له ماقاتل من أجله لشهور او لسنوات عديدة.. حتى ينتابه شعور عميقبالملل ليقرر مجددا خوض معركة اخرى بغية الهروب من رتابةواقعه.

وهكذا دواليك…. يعيش لحظة الالم من جديد… هذه اللحظةالشاخص فيها الفرد بعد بيع صوته، ضميره، وقناعاته، ووعيه،التي أخلّت في وطنيته المبتلاة.

وتستمرُ معاناة الفرد وعياً وسلوكاً في التعاطي مع الحريةوالوطن ..والتي قد تزعزع فيها مبادئ الديمقراطية في مجتمعاتناالناهضة .


المسلة – متابعة – وكالات

النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

About Post Author