بغداد/المسلة:
مازن صاحب
منذ بداية هذه الحرب المتسارعة بين إسرائيل وإيران، مع الظهور العسكري الأمريكي ، بدا واضحا أن الرد الإيراني لم يستهدف البوارج وحاملات الطائرات الأمريكية بصورة مباشرة، بقدر ما اتجه نحو استهداف قواعد ومناطق اقتصادية في دول الخليج العربي، ولا سيما قطر والإمارات والبحرين والكويت والسعودية، رغم وجود تفاهمات أمنية إقليمية بضمانات صينية، لم تنجح عمليا في منع استهداف المنشآت النفطية السعودية.
وفق ما تقدم، لا يبدو أن بنك الأهداف الإيراني مهيأ للاشتباك المباشر مع الأساطيل الأمريكية، خصوصا أن قواعد الاشتباك بعيدة المدى التي تعتمدها القوات المسلحة الأمريكية تجعل من الصعب على طهران فرض معركة بحرية تقليدية واسعة. ولذلك، انحصر الرد الإيراني في أهداف إسرائيلية، وأخرى تقع داخل أراضي الدول العربية الخليجية.
واقع الحال أن الرد الاستراتيجي الإسرائيلي يقوم على ربط القصف الإيراني بمحور الاتفاقات الإبراهيمية، باعتباره إطارا لمواجهة التهديدات الأمنية والاقتصادية الإيرانية. وفيما اندمجت الإمارات بصورة متقدمة في هذا المسار، لا تبدو التصريحات الإيرانية الأخيرة، التي تؤكد أن طهران لا تعادي دول الخليج العربي، منسجمة مع الوقائع الميدانية. فجميع المؤشرات على الأرض تؤكد محدودية القدرة البحرية والصاروخية الإيرانية على تغيير قواعد الاشتباك، في ظل بنك أهداف يتعامل مع ساحات بديلة، بدلا من الاشتباك المباشر مع مصدر النيران الفعلي الذي يقصف المنشآت الإيرانية.
السؤال الأهم: هل تمتلك إيران قدرات الاشتباك مع الأساطيل الأمريكية؟
الجواب الواقعي: نعم، إلى حد ما. فذات القدرات الصاروخية التي تستهدف إسرائيل وبعض مناطق الخليج العربي، والتي وصلت مدياتها إلى قاعدة دييغو غارسيا، يمكن ـ نظريا ـ أن تستخدم في مواجهة بحرية واسعة مع القوات الأمريكية. كما أن إغراق حاملة طائرات أمريكية، لو حدث، سيمثل تحولا استراتيجيا هائلا في مسار الحرب. لكن السؤال الأكثر أهمية: لماذا لم تجعل طهران هذا الهدف أولوية مباشرة؟
الإجابة تبدو واضحة؛ لأن خطوة بهذا الحجم قد تستدعي ردا أمريكيا واسعا وقاسيا ومبررا دوليا، في وقت ما تزال فيه دول الخليج العربي تحت ضغط الصواريخ الإيرانية، بما يوفر لطهران مساحة سياسية لمحاولة تقديم نفسها كطرف “يرد على التهديدات الإقليمية”، وهو ما أسهم في الدفع نحو ترتيبات وقف إطلاق النار والهدنة الهشة.
السؤال الآخر: هل تمثل عمليات القصف الإيرانية ضد الأهداف المدنية والاقتصادية في دول الخليج العربي مكسبا استراتيجيا؟
واقع الحال أن هذا النوع من القصف لا يحقق سوى مكاسب عملياتية محدودة، مقابل خسائر استراتيجية بعيدة المدى. فهو يضع أي تفاهم أمني مستقبلي بين إيران ودول الخليج أمام تحديات عميقة، ويعيد إلى الأذهان نماذج الصراعات السابقة في المنطقة، وفي مقدمتها تداعيات حرب الكويت، وما تبعها من انتقال للأزمة إلى مجلس الأمن الدولي.
كما أن الحسابات الإيرانية هنا لا تبدو منسجمة مع الحسابات الدولية الأوسع، ولا سيما مع وجود ضمانات صينية لم تنجح في منع استهداف السعودية، رغم التبرير الإيراني بأن تلك العمليات جاءت ردا على “عدوان أمريكي” ينطلق من قواعد موجودة في أراضي هذه الدول. في المقابل، تشير شواهد القتال إلى أن واشنطن تعتمد أساسا على قدراتها البحرية والجوية بعيدة المدى، أكثر من اعتمادها على تلك القواعد في عملياتها المباشرة.
لذلك، سيكون مجلس الأمن الدولي ـ حتى بوجود الصين وروسيا الاتحادية ـ أمام استحقاقات قانونية وسياسية معقدة وفق قواعد القانون الدولي، في ظل تداخل المصالح الاقتصادية الكبرى، من الاستثمارات الخليجية والصينية، إلى الأدوار الأوروبية والإسرائيلية، وما يرتبط بها من ترتيبات أمن الطاقة العالمي وأمن الملاحة في مضيق هرمز، فضلا عن تداعيات ذلك على سلاسل الإمداد الدولية.
كل ذلك يؤكد حقيقة ربما غابت عن العقل الاستراتيجي الإيراني؛ وهي أن تحقيق أرباح مباشرة في معارك الدفاع عن بقاء النظام، عبر قصف أهداف مدنية واقتصادية في دول الخليج العربي، لا يمكن أن يتحول إلى مكاسب استراتيجية طويلة الأمد. بل إن ذلك قد يفتح الباب أمام نموذج متجدد من الصراعات الانفعالية والمتقطعة بين ضفتي الخليج العربي خلال السنوات المقبلة.
السؤال الأصعب: كيف ستكون مواقف فرقاء العملية السياسية في عراق الغد القريب؟
ربما تمنح اللقاءات التي أجراها الجنرال ديفيد بترايوس مع عدد من القيادات العراقية، ومن بينهم السيد رئيس مجلس القضاء الأعلى، مؤشرات أولية على وجود مصفوفة حلول وبدائل يجري إعدادها لمرحلة ما بعد التصعيد.
ويبقى من القول: لله في خلقه شؤون.!!!
المسلة – متابعة – وكالات
النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

أخبار ذات علاقة
إيران تعلن تشكيل هيئة جديدة لإدارة مضيق هرمز
سياسيون يتحدثون عن “موت” الاطار.. وتحالفات جديدة على أنقاضه
دولة القانون ينتقد منهاج حكومة الزيدي