بغداد/المسلة:
القاضي محمد عبدالرضا حطاب
لم يعد الهاتف المحمول في جيوبنا مجرد أداة اتصال عادية بل تحول بمرور الوقت إلى طرف صناعي ثالث ملتصق بالجسد يبث في العقول سيلاً لا ينقطع من المؤثرات المشتتة وفي خضم هذا الامر ظهرت ظاهرة خطيرة باتت تهدد البنية العقلية للأفراد وتؤثر تأثيرا سلبيا على المجتمع ألا وهي ظاهرة (تعفن العقل)
هنا لا اتحدث عن استعارة لمصطلح ادبي بل عن حالة مرضية ان صح التعبير وهي الموت السريري لملكة التفكير وتجمد الادراك يصيب الإنسان فيحوله تدريجياً من شخص فاعل يزن الأمور إلى شخص انفعالي مسلوب الإرادة تقوده منصات التواصل الاجتماعي ليجد نفسه أخيرا ودون سابق إصرار في قفص الاتهام.
قد يبدو أن مصطلح تعفن العقل من نتاج التطور الرقمي إلا أن اصل المصطلح قديم جدا اذ يعود أول استخدام لهذا المصطلح إلى عام 1854م حيث ذكره الفيلسوف هنري ديفيد ثورو في كتابه والدن منتقداً حالة الانحطاط الفكري التي اصابت المجتمع في ذلك الوقت بسبب الانغماس في توافه الأمور والأفكار السطحية مما يؤدي الى تعفن الملكات الذهنية وعدم تقدير عواقب الامور مرت القرون وتحول ان ذلك التحذير إلى واقع مرير حيث اختارت جامعة أكسفورد مصطلح تعفن العقل ليكون كلمة العام 2024 في إعلان رسمي عن تحول الظاهرة من مجرد وصف لسلوك فردي إلى وباء عقلي ومعرفي عالمي يصيب المجتمعات سببه الرئيسي الاستخدام المفرط وغير الممنهج من قبل الافراد للمحتوى الرقمي الهابط الذي يشتت الانتباه عن طريق الاستخدام المفرط للهواتف النقالة
تشير الأبحاث الحديثة إلى أن الإدمان على الريلز والمقاطع القصيرة يُحدث تغييرات في الدماغ تعتمد في الاساس على التلاعب بـهرمون الدوبامين
والدوبامين هو ناقل عصبي يعمل كمكافأة داخل الدماغ وظيفته منح السعادة نتيجة للجهد المبذول من قبل الشخص والتحفيز لتكرار السلوك الذي يجلب لك اللذة (مثل الأكل، أو النجاح)
في الحالة الطبيعية يُفرز الدوبامين بعد بذل جهد لكن الهاتف الذكي يكسر هذه القاعدة ويقدم ما نسميه بـالدوبامين الرخيص مكافآت فورية ومجانية وسريعة جداً دون أي جهد.
هذا الاختلال يؤدي إلى نتيجتين خطرتين تؤديان للسلوك الإجرامي:
1. دورة الإدمان يعتاد الدماغ على السهولة فيرفض أي نشاط يتطلب صبراً أو تفكيراً عميقاً (لأن الدوبامين فيه مؤجل) مما يخلق عقلاً مدللاً وعاجزاً عن الصبر (الدليل على ذلك عدم القدرة على مواصله مشاهدة أي مقطع فيديوي طويل والانتقال من مقطع الى اخر ومن محتوى الى اخر بسرعة )
2. ضمور القاضي الداخلي نتيجة لهذا الاستخدام المفرط لأجهزة الهاتف يضعف نشاط الفص الجبهي في الدماغ المسؤول عن التحكم والتمييز وحينما يتعطل يصبح الإنسان مندفعاً غريزياً وهنا تقع الجريمة.
إننا في هذا المقال لا نتحدث عن مرض عضوي تتناوله الكتب الطبية بل عن حالة شلل فكري يصيب الإنسان العادي المتزن فيحوله من شخص فاعل ومفكر إلى شخص انفعالي مسلوب الإرادة عاجزاً عن التفكير والتمييز ومنقاد انقياد اعمى خلف أي إشارة تنبعث من جهاز هاتفه وهذا هو الموت السريري لملكة التفكير والعقلانية في وقت لا يزال فيه الجسد حياً يتحرك.
ان السبب الرئيس والوحيد لهذا المرض هو الاستهلاك المفرط والعشوائي للمحتوى الرقمي التافه والهابط عبر الهواتف الذكية إنه اعتراف أكاديمي من جامعة رصينة (أكسفورد ) بأن البشرية تواجه أزمة معرفية تهدد أسس الوعي الفردي حيث تعمل منصات التواصل الاجتماعي بنظام خوارزمي هندسي خبيث يُعرف المكافأة المتقطعة يشبه آلات لعب القمار يزود الدماغ بجرعات سريعة ومكثفة من هرمون الدوبامين عند كل تمريرة إصبع على الهاتف
مما يخلق حالة من الادمان العصبي حيث يعتاد العقل على تلقي المعلومة واللذة دون أدنى مجهود ذهني تحليلي ومع مرور الوقت تضمر ملكه التفكير وحساب العواقب المنطقية بل حتى يضمر الضمير الحي الداخلي الذي يميز بين الخير والشر ويصبح العقل كالسيارة المنطلقة بأقصى سرعة بلا فرامل عاجزاً عن التوقف للحظة للتفكير في العواقب المستقبلية للفعل وهنا تحديداً نكون قد وضعنا القدم الأولى في طريق الجريمة.
وبسبب هذه الظاهرة فقد ظهرت الجرائم الاليكترونية المستحدثة وكذلك ظهرت مشكلة التفكك الاسري والإهمال العاطفي وعدم التواصل بين العائلة
أولا/ الجرائم الإلكترونية المستحدثة فخ الاستغلال (جرائم الاحتيال ) وجرائم (بث الاشاعات والاخبار الكاذبة والترويج للافكار المتطرفة )وجرائم (المحتوى الهابط)
لقد افرز الواقع العملي امام المحاكم العراقية عدة جرائم نتيجة استغلال تشتت الانتباه والضعف العقلي أمام المغريات المالية أو العاطفية مما يوقع الفرد في شباك الجريمة المنظمة ودون وعي منه بمخاطر افعاله ومنها
جريمة (بيع الجواز) حيث يتم إغراء الشباب بمبلغ مالي زهيد وفوري مقابل تسليم جوازات سفرهم ومستمسكاتهم لسماسرة لاستخدامها في تهريب العملة هنا يغيب وعي الضحية عن حقيقة أنه قام بـ إعارة اسمه وأهليته القانونية لعملية غسيل أموال ليجد نفسه لاحقاً متهماً بجرائم مالية جسيمة بينما يظل المجرم الحقيقي مجهولاً.
جريمة( تأجير البطاقات الإلكترونية )من خلال استدراج الأفراد لفتح محافظ إلكترونية وتسليمها لغرباء مقابل راتب شهري الحقيقة الجنائية هي أن هذه البطاقات تُستخدم حصراً لاستقبال أموال الابتزاز الإلكتروني أو عوائد المخدرات ويُعتبر صاحب البطاقة شريكاً لأنه مكن المجرم من وسيلة الجريمة.
جريمة الاستغلال العاطفي وهو النمط الأكثر خبثاً حيث ينشئ المجرم علاقة عاطفية وهمية عبر الإنترنت مع الضحية تمتد لأشهر وعندما يضمن التعلق العاطفي وتغييب العقل يطلب المساعدة لنقل أموال بحجة تجميد حساباته أو ضائقة مالية هنا يتحول الحب إلى أداة للجريمة وتتحول الضحية إلى ناقل أموال بدافع العاطفة لا الطمع لكن القانون لا يحمي المغفلين عاطفياً عند ثبوت الجرم المالي.
او استغلال الضحية من خلال الابتزاز المالي بالصور المرسلة بأوضاع لا أخلاقية في لحظة فقدان الادراك والوعي
جريمة صناعة الهلع وهي الظاهرة الأخطر والأكثر ملموسية حيث يتحول الفرد من مستخدم عادي إلى مكبر صوت للجريمة من خلال الترويج لافكار إرهابية او اخبار مفبركة حيث يعتمد العقل المصاب بـالتعفن على ردود الفعل الغريزية عندما يواجه خبراً صادماً يفرز دماغه الدوبامين وتكون الاستجابة التلقائية هي “المشاركة فوراً دون تحقق.
وهؤلاء الأفراد يصبحون وقوداً لـ الحرب النفسية السيبرانية هم لا يصنعون الخبر الكاذب لكنهم يمنحونه الانتشار الفيروسي في فقه القانون هذا السلوك يخرجهم من دائرة حسن النية إلى دائرة القصد الجنائي فهم قبلوا المخاطرة بتكدير السلم العام وهو إهمال جسيم يرتقي لمرتبة الجريمة.
ثانيا/ الطلاق الرقمي تفكيك العقد الاجتماعي للأسرة
لا يقل تأثير هذه الظاهرة (تعفن العقل )على الكيان الأسري خطورة عن أثرها الجنائي حيث ظهر ما يسمى بـ الطلاق الرقم والانسحاب الشعوري وانتفاء السكن فعقد الزواج ميثاق غليظ قوامه التفاعل والاحتواء لكن الإدمان الرقمي يُضعف قدرة الفرد على الاستثمار العاطفي والفكري في شريكه يصبح الزوج اوالزوجة مفضلاً للذة السهلة المجردة التي توفرها الشاشة على الجهد الذهني والروحي الذي يتطلبه الحوار الأسري الحقيقي.
حيث باتت محاكم الأحوال الشخصية نشهد تزايداً في حالات الطلاق وقضايا الخلع التي تتسم بـالاندفاع والتهور العقل “المدلل” يرفض التعامل مع صعوبات الحياة الزوجية وبدلاً من الصبر يجنح لأنهاء” المشكلة بأسرع طريقة مفتقراً للقدرة على التفكير العقلاني أو إعمال العقل في عواقب القرار على الأبناء.
إن ظاهرة تعفن العقل تدق ناقوس الخطر في أروقة العدالة وإذا كانت المبادئ القانونية تقوم على إعمال العقل والتمييز والإرادة الحرة الرشيدة فإننا أمام تدهور ممنهج يستدعي علاجا من خلال ضرورة تشديد العقوبة في جرائم النشر الإلكتروني إذا ثبت أنها ناتجة عن اندفاعية مفرطة دون تثبت، واعتبار الإدمان الرقمي ظرفاً يتطلب تدابير احترازية (علاجية) بجانب العقوبة الأصلية.
وفي قضايا الأسرة والحضانة اعتبار الإدمان الرقمي عاملاً يُؤخذ في الحسبان في نزاعات الحضانة أو الإهمال الأسري حيث يؤثر بشكل مباشر على أداء الواجبات الأبوية.
وفي النهاية لابد من الوقاية المجتمعية من خلال تعزيز التفكير النقدي والصيام الرقمي الواعي كجزء من الثقافة العامة لتحصين العقول فالحفاظ على سلامة عقولنا هو دفاع أساسي عن سلامة مجتمعنا وامنه
المسلة – متابعة – وكالات
النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

أخبار ذات علاقة
القضاء: ضبط أكثر من 67 مليار دينار جديدة في قضية الجميلي
وزير الاتصالات يشكر رئيس القضاء: ارجع 85 مليار دينار لخزينة الدولة
ترامب: إيران وافقت على عمليات التفتيش النووي لمدة طويلة