المسلة

المسلة الحدث كما حدث

زيارة عراقجي إلى بغداد تعيد اختبار النفوذ وسط ترقب لنتائج التفاهم الأميركي الإيراني

زيارة عراقجي إلى بغداد تعيد اختبار النفوذ وسط ترقب لنتائج التفاهم الأميركي الإيراني

23 يونيو، 2026

بغداد/المسلة: تتحرك بغداد مجدداً على حافة التوازنات الدقيقة، بينما تعود طهران إلى الساحة العراقية بخطوات تبدو محسوبة أكثر من كونها استعراضية، في وقت يترقب فيه الفاعلون السياسيون مآلات التفاهم الأميركي الإيراني، بوصفه اتفاقاً قد يعيد رسم خرائط النفوذ في المشرق.

وتأتي الزيارة المرتقبة لوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى العاصمة العراقية باعتبارها رسالة سياسية تتجاوز بعدها الدبلوماسي، إذ تحمل في طياتها محاولة لإعادة تثبيت شبكة العلاقات الإيرانية داخل العراق، وإظهار أن طهران لا تزال تمتلك القدرة على الإمساك بخيوط المشهد، حتى في ظل التحولات الإقليمية المتسارعة.

ولا تبدو المفاوضات التي احتضنتها سويسرا سوى فصل من معادلة أكبر، عنوانها إعادة توزيع مناطق التأثير لا إنهاء الصراع. فالعراق، الذي ظل لعقدين ساحة لتقاطع المصالح الأميركية والإيرانية، يقف اليوم أمام اختبار جديد، حيث تسعى واشنطن إلى تكريس مفهوم “الدولة أولاً” عبر حصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية، فيما تواصل إيران الدفع بفلسفة “النفوذ الهادئ” القائم على الحلفاء المحليين والشبكات السياسية والاجتماعية، وهي معادلة أثبتت فعاليتها خلال سنوات الاضطراب.

وتشير نقاشات متداولة بين محللين عراقيين وإيرانيين إلى أن أي اتفاق بين واشنطن وطهران لن يكون نهاية لنفوذ أحد الطرفين، بل بداية لمرحلة أكثر تعقيداً تعتمد على أدوات أقل صخباً وأكثر براغماتية. ويرى عدد من الباحثين، بينهم حسابات أكاديمية عراقية متخصصة في الشأن السياسي، أن النفوذ الإيراني لم يعد يرتكز على الفصائل المسلحة وحدها، بل على منظومة اقتصادية ودينية وسياسية يصعب تفكيكها بقرارات أمنية منفردة.

في المقابل، تراهن الولايات المتحدة على أدوات الضغط المالي، وفي مقدمتها ارتباط العائدات النفطية العراقية بالنظام المالي الأميركي، إلى جانب العقوبات المحتملة، باعتبارها أوراقاً قادرة على إعادة توجيه القرار السياسي في بغداد.

غير أن هذا الرهان يصطدم بحقيقة أن النفوذ لا يقاس فقط بالقدرة على فرض العقوبات، بل أيضاً بالقدرة على صناعة الولاءات وتراكم المصالح، وهي مساحة استثمرت فيها طهران طويلاً حتى أصبحت جزءاً من البنية السياسية العراقية.

وتعكس تصريحات السفير الإيراني التي اعتبرت ملف السلاح “شأناً عراقياً” مقاربة تبدو أكثر مرونة في ظاهرها، لكنها تحمل في جوهرها دفاعاً غير مباشر عن استمرار البيئة التي سمحت للفصائل بالاحتفاظ بدورها. وفي المقابل، تواصل واشنطن إرسال رسائل تؤكد أن أي شراكة استراتيجية مع بغداد تمر عبر تفكيك نفوذ الجماعات المسلحة، وهو شرط يبدو تنفيذه أكثر تعقيداً من مجرد إصدار قرارات حكومية.

و يبدو العراق كمدينة تقف بين نهرين من الإرادات؛ أحدهما يحمل مياه النفوذ المتراكم، والآخر يجرف معه وعود التغيير.

وبين التيارين، تمضي بغداد كمن يسير داخل متاهة من المرايا، حيث لا تنعكس القوة دائماً في صورتها الحقيقية، بل في قدرتها على البقاء بعد تبدل الأزمنة. ولهذا، قد لا يكون السؤال المطروح هو ما إذا كانت إيران ستحتفظ بنفوذها، بل بأي صورة سيولد هذا النفوذ في المرحلة المقبلة، وهل سيتحول من نفوذ ظاهر إلى قوة أكثر هدوءاً وأشد رسوخاً في عمق الدولة والمجتمع.

 


المسلة – متابعة – وكالات

النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

About Post Author